atrk
كأس إفريقيا للأمم

حسنية مظلومة ووليد بريء

  • ★★★★★
حسنية مظلومة ووليد بريء

يتملكني شعور بالشفقة على الحالة التي أشاهد عليها الملعب الكبير لأكادير كلما كان حسنية أكادير مستضيفا فيه لمنافسيه برسم مباريات البطولة الإحترافية، ففراغ المدرجات من الجماهير أمر مستفز، وأيا كان العذر فهو أقبح بكثير من أن يترك هذا الفريق وحيدا بلا أدنى سند وبلا أدني أحزمة حماية، ويغيضني مثل الكثيرين أن يختفي مناصرو حسنية أكادير هكذا من دون سابق إنذار، وكأني بهم يعاقبون فريقهم على جرم لم يرتكبه.
في ديربي الجنوب الذي يحمل الكثير من الدلالات والقيم الفنية كنت أنتظر أن يتحول الأكاديريون بالآلاف لمناصرة حسنية تنفرد في البطولة الإحترافية بخصوصية عكس مشروع هوية لعب يشتغل عليه بشغف كبير منذ مواسم الإطار الخلاق والمبدع عبد الهادي السكتيوي، هوية مستوحاة روحها من الكرة الشاملة التي ولدت مع المنتخب الهولندي في سبعينيات القرن الماضي، في الحقبة المسماة بحقبة الكرة الرومانسية، كنت أنتظر أن يصطف في المدرجات الآلاف من الأكاديرييين ليساعدوا لاعبي الحسنية على بلورة مشروعهم التكتيكي الجميل، إلا أن الصدمة كانت كبيرة، والمباراة تجرى في أمسية ماطرة لا يتردد فيها غير صدى بكاء المدرجات الفارغة.
وكان مثيرا للإعجاب أن لاعبي حسنية أكادير لم يتأثروا بالعزوف الجماهيري ولم ينل منهم أن يغيب عنهم السند، فقدموا برغم ما كان من ظروف وبرغم ما كان من مقاومة قوية لفرسان الكوكب المراكشي، مباراة تليق بتربيتهم وثقافتهم التكتيكية وتمكنوا من تحقيق الفوز الثالث تواليا، ليس هذا فقط بل إن ما شاهدته من خلال المضمون التكتيكي لأداء حسنية أكادير يؤكد أن هناك تطورا كبيرا في صناعة منظومة اللعب، وإذا قدر لهذا الفريق أن يتملك هوية لعب هي من إبداع ربانها ومهندسها السكتيوي، إذا قيد له أن يصبح صاحب شخصية متفردة في البطولة الوطنية، فإنه بكل تأكيد لن يتمكن من الوصول إلى الألقاب التي هي منتهى أي مشروع ليصل الحاضر مع الماضي الجميل، إلا بمساندة لا مشروطة من جماهيره بمعزل كامل عن كل المبررات التي يلصقها البعض بالعزوف المبرمج للجماهير للإنتصار لإيديولوجية بعينها، فحب الفريق لم يكن أبدا ولن يكون في يوم ما موضع مساومة.
يحتاج المشهد الكروي الوطني بفسيفسائه الحالي، إلى إعادة طرح سؤال العلاقة التي باتت تربط الأندية بجماهيرها..
ما الذي يوجه هذه العلاقة؟ وما الذي يؤثر فيها؟ وهل هي بالفعل صورة مما نشاهده في المشاهد الكروية المحيطة بنا؟ وكيف يمكن أن نتجاوز حالات التصادم والإحتقان؟ وهل بمقدورنا أن نعود إلى ما كان في زمن مضى من صفاء؟
لا أخال أنه بمقدوري الإجابة سريعا على هذه الأسئلة جميعها، فهي شبكة معقدة من الحالات التي تداخلت وأبدا لم نتناولها في حينها بالتحليل الرياضي والسيكولوجي والفلسفي العميق، لذلك وجدنا أنفسنا اليوم متصلبين في تحديد زوايا النقاش.
مؤكد أن مباريات كرة القدم ما خلقت إلا من أجل أن تشاهد، ومؤكد أن الأندية لا يمكنها أن تعيش معزولة عن جماهيرها، والمنطقي أن تسود الثقة الكاملة بين الأندية وجماهيرها، فالأندية لا بد وأن تعطي للجماهير أشياء تتعلق وتهيم حبا بها، والجماهير في مقابل ذلك لا بد وأن تمنح الأندية الحماية والعون والسند الذي يشجع على صناعة تلك الأشياء الجميلة، لا وسائط في الحب، وإن تعددت أنماط التعبير عن هذا الحب فإنها لا يمكن أن تصل إلى حد إيذاء الفريق وضرب مصالحه أو حتى هجرانه وتركه يسير وحيدا.
............................................
ما بال وليد الركراكي لا يكف عن إثارة الجدل بما يطلقه من تصريحات، كثيرها يحمل على محمل غير محملها الحقيقي فيصيبه كل ذلك بشراراة من النقذ المبرح.
بالأمس قيل أن وليد الركراكي يتحرش بالوداد، واليوم يقال أنه تجرأ على الصحافة، فاتهمها بالقتل العمد للأندية، وغير هذا كثير مما يستوجب طرح السؤال، حول طبيعة الخطاب الإعلامي الذي يتبناه وليد الركراكي عندما يكون ضروريا أن يؤثث ندواته الصحفية، وما إذا كان بعضنا يبالغ في تأويل هذا الذي ينطلق من لسانه معبرا عن سجاياه.
لو لم أكن أعرف وليد الركراكي معرفة يقينية، تربيته وأخلاقه وكيمياءه، لكنت أول من إصطف في الطابور الذي أقامه البعض ليكيل لوليد التهم وأحيانا ليصفي حسابات لا أعرف لها مصدرا وأحيانا أخرى ليبرر حالة الإنبهار من هذا الذي أضفي على وليد من هالة.
لا خلاف على أن الركراكي يتبنى مقاربة مختلفة في تشكيل خطابه الإعلامي، قد يبحث فيها عن الصدامية، قد يكون متعمدا فيها خلق جدل تقتات منها البرامج الحوارية للإذاعات والمواقع، وقد يكون هاجسه في ذلك هو سحب الضغط عن لاعبيه بإثارة الجدل حول شخصه، وفي كل هذا لا يمكن أن نغيب حقيقة موجودة، هي أصل هذا الشرخ بين وليد وبين الصحفيين، حقيقة أنه يفكر باللغة الفرنسية ويجتهد في قول ذلك باللغة العربية، فيرتكب جرما في حق نفسه، لأن ما يوجد من فوارق كثيرة في البنية اللغوية بين العربية والفرنسية يترك هامشا كبيرا للمقامرة وللمجازفة وأيضا لإثارة الحزازات.
لا أتصور أن يكون وليد قد فكر، مجرد التفكير في الإساءة للصحافة التي يؤمن أنها كانت له سندا وأن لها نصيبا في أولى نجاحاته في الميدان التدريبي، ويكون من الجنون فعلا أن يجعل وليد من الصحافة عدوا له، لأن ذلك لن يقود في النهاية إلا للدمار.
ومثلما أحث وليد على ضرورة ضبط النفس وتكييف الخطاب الإعلامي مع الطبيعة الفكرية للمغاربة، وإيصال أفكاره باللغة التي يتقنها، فإنني بالمقابل أتمنى على زملائي الإعلاميين وعلى من يحسبون علينا اليوم من محللين أن لا ينصبوا المحاكم كيفما ومتى يحلو لهم، للترافع في قضية مؤسسة على جرم لم يرتكب أصلا، واستصدار أحكام قيمة مؤلمة وظالمة، في النهاية كرة القدم المغربية لا تريد أن تخسر وليد، ووليد لا يريد أن يخسر صحافة بلده.