بوفال فضح واقع الحال

قبل 40 سنة من الآن وبأرض حبشية لا زرع فيها يومئذ ولا ضرع، ولعلكم تستحضرون أن لازمة الجفاف بالقارة السمراء كانت مرتبطة يومها في حديث المجالس لكل من إثيوبيا وبعدها الصومال، نجح لاعب مغربي أصيل إسمه مجروح وشهرته «بابا» في أن يكتب إسمه ولغاية اليوم بمداد وماء الذهب.
«عافاك أخويا» العبارة التي توسل بها «بابا» في مباراة غينيا للذهبي أحمد فراس، كي يمكنه من الكرة التي سددها في آخر دقيقة لتستقر بمرمى المنافس وتمنحنا شرف أول وآخر لقب قاري، عكست للأسف وجهين لم يعد لهما حضور في كرتنا العليلة ومنتخبنا المكسور.
عكست أولا روح التآلف والأخوة التي كانت تسيطر على الأجواء ،فلا تكتلات ولا نقابات، وعكست ثانيا اللهفة والشوق للإنتصار وهو ما لا تبرزه ومنذ سنوات سيقان لاعبينا المتثاقلة.
بين حكاية بابا الحبشية وحكاية بوفال بـ «معرض العين»، حيث اختار رونار خنق الأوكسجين في لاعبين لم يتعودوا على هذا الطقس في بطولاتهم، والتي تنشط في ثلثين منها تحت وقع البرد والصقيع، قلت في الحكايتين كل الفوارق التي لا يصلح معها قياس.
يصيب فعلا بالقرف حتى لا أقول شيء آخر، أن نهفو لحدث «الكان» على بضع مسافة ساعات ونحن ما زلنا نغرق في بحور التحقيقات، وقياس نسبة الوطنية في دم هذا وذاك، يصيبنا بالألم أن نستنسخ كل مرة نقترب فيها من حدث كروي كبير كل تلك الصور المقيتة التي تعافها الأنفس، ونحن نستهلك لغوا يضرنا أكثر من يحقننا بحقن التفاؤل.
بوفال يغيب عن «الكان» لم ولن يكون حدثا، لأنه لا تاريخ لبوفال هذا مع المنتخب الوطني حتى تعلن حالة الإستنفار وتقام الجنائز لتخلف هذا اللاعب الموهوب عن العرس الإفريقي.
لكن ما يجعله حدثا محفوفا بالتوجس والإرتياب هي طريقة الإنسحاب المدبر لها والمهيأ لها منذ وقع اللاعب للفريق الأنجليزي، وما جعل منه مندبة هو استباق الإعلام الإنجليزي هذا «الفورفي» قبل شهر بتأكيد ضغط الفرنسي كلود بوييل كي لا يجني مواطنه الثعلب زهرة هو من رعاها حتى تعافت مما بها من سقم.
نعم سوابق بوفال الذي غادر ذات يوم معسكر أكادير بعدما حضر للعب رفقة الأسود بداعي إصابة غريبة على مستوى الظهر، وبعدها رفضه الرد على الزاكي قبل أن يرحل الزاكي ويظهر رونار في الصورة فيظهر معه بوفال مهر وصداق التوقيع، هو ما قوى هوامش الشك والإرتياب في مضمون إصابته.
ما قاله هيفتي بصريح العبارة هو ما يعزز هذا الشك، حين يقول طبيب أسودنا العليلة أن بوفال يلزمه من الراحة أسبوعين، وعلمنا المتواضع قادنا لاستحضار تاريخ إصابة بوفال وكان يوم الفاتح من يناير أمام إيفرطون، ما يعني أنه إن لم يجهز لمباراة الكونغو الإثنين القادم، فسيكون في تمام العافية في باقي المباريات.
وما يجعل انسحاب بوفال حدثا هو موقف رونار، فكيف يقبل برحيل لاعب سيتعافى قبل المباراة الثانية، وأمثال بوفال يغامر المدربون بالإبقاء عليهم حتى إن أخبروا أنهم سيلحقون بركب نصف النهائي وحتى النهائي.
في موقف رونار غموض، لأن هذا المدرب مشهور بعناده وتصلب مواقفه، إلا أن تساهله مع رحيل لاعب حمل في تقريره فترة نقاهة مدتها أسبوعان أمر مزعج بالفعل ويخفي أشياء كثيرة، ظاهرها الإصابة وباطنها ما دار بين اللاعب ومدربه ولربما صارحه بما عاشه ويعيشه من ضغوطات رهيبة من مدربه بوييل كي لا يلعب «الكان» بعدما استثمر فيه ساوثامبتون مدخرات السنين.
كفى و«يكفو» بالمضارع «وباسطا وباراكا بالدارجة، ما عاد العرين يتحمل مزيدا من الإستهتار، وما عاد القميص الوطني يتحمل المزيد من الدلال و«الفشوش» لمحترفين لم يوردونا شربة ماء.
غير مقبول أن يختار لاعب المونديال ليشارك فيه لأنه معرض الصيف الذي يشهد نجوم العالم ويعلن استسلامه من أحراش وأدغال إفريقيا التي ترهب الداخل المفقود وتعز الخارج المولود.
نريد اليوم ميلاد جيل جديد للاعبي البطولة الأقزام الذين ماعادوا يقوون على مغادرة ميناء طنجة، ليستحضروا بابا والشريف وفراس واعسيلة والزهراوي والكزار واسماط والتازي وبودربالة والتيمومي والبياز ولمريس وبصير وكماتشو وشيبو والحضريوي ولخلج ونيبت، وكلهم نبتوا كالفطر هنا فتغذوا ونموا بيننا وعرفونا وعرفناهم وحلقوا بعدها صوب أوروبا ليصقلوا الخام الذي ولدوا به وشبوا عليه.
أنا أكرر ما قاله ربيع العفوي ومستعد للمثول أمام لجنة أخلاقيات الجامعة وليس في الأمر مصادرة لحق لاعب من لاعبي المهجر: ما لم تستعد البطولة التي قزمها رونار ونقط لها نقطة سيئة باصطحاب العطوشي واحد، قيمتها وتنجب لنا بالتكوين الحقيقي لاعبين كبارا ومقاتلين يعرجون على أوروبا للاستكمال الدراسة والتكوين والعلم، فلن تقوم قائمة لهذا المنتخب كي لا يظل رهينة بأيدي لاعبين يضعون «الموني» على طاولتهم ليختاروا أي أطباق يأكلون وأي أطباق يقرفون؟

 

مواضيع ذات صلة