«دانكي شون» فيليب

ستودع ملاعب كرة القدم هذا الأسبوع لاعبا فريدا وإستثنائيا، عميدا ليس كباقي العمداء، وقبطانا باسلا إستطاع أن يرسو بسفينته الأصيلة على ميناء المجد والسمو، هناك إلى جانب رمال الأبطال، هناك حيث يستلقي الأساطير.
سيفقد الألمان خاصة والعالم عامة أسطورة صامتة إسمها فيليب لام، لم يخلق ضجة طيلة سيره، لم يعشق الأضواء قط، لم يحدث ضوضاء داخل وخارج الملاعب، لكن في عز السكون والظل، إنبعث قنديل أنار الأرجاء، وعطر فواح زكّى المكان.
الرجل يستحق أسمى كلمات التنويه، وأعذب عبارات المدح، وأفضل رسائل الشكر بعدما بصم على مسيرة إحترافية أنطولوجية، فاز فيها بكل شيء، وقدم فيها كل شيء، قبل أن يتخذ القرار الأصعب، ويفتح باب الإعتزال بصورة ولا أروع، حينما إختار توديع الملاعب في عز العطاء ومن منصات التتويج وفي سن 33 فقط.
المنقب الألماني الشهير جون بيينتا الذي كان وراء إكتشاف العديد من النجوم الحاليين، كان صاحب الفضل في إلتحاق فيليب بأكاديمية بايرن ميونيخ وهو في ربيعه 11، ليعطي منذ البداية إشارات الموهبة العجيبة، فتطور وتدرج إلى أن بلغ الفريق الأول للعملاق البافاري بعمر 19، حينها إتصل المدرب هيرمان جيرلاند بمدرب شتوتغارت فيليكس ماغاث ليقدم له شابا مغمورا من أجل التزود بالخبرة، فأعاره لموسمين كاملين إنفجر فيهما الشاب قصير القامة، ليبهر الألمان ويغزوا مبكرا مسارح عصبة الأبطال الأوروبية.
ما يُحسب لفيليب أنه كان يتمتع بعزيمة شديدة ليس لها مثيل، وصبر جارف لا يتحلى به إلا الأبطال، خصوصا بعدما تعرض لإصابتين خطيرتين في بداياته الإحترافية، ويقع بعدها في حلبة منافسة ضارية على الرسمية مع الظهير الفرنسي المعروف ليزارازو، لكنه كد وإجتهد ولم يشك، وإنتظر فرصته حتى حانت، وفتحت معها كتابا خالدا نشر فيه مداد الكؤوس والألقاب والأرقام القياسية.
ما أعطاه وما أخذه طيلة 15 سنة لا يعد ولا يحصى، سواء مع بايرن ميونيخ أو المنتخب الألماني، حيث كان القائد ورافع الأدرع، فيداه بُسطتا لأزيد من عقد ونصف لسحب الكؤوس، وإنتزاع الميداليات محليا وقاريا وعالميا.
لام سيودع الميادين وفي سجله أزيد من 22 لقبا عظيما، بداية ببطولات البوندسليغا المتعددة وعصبة أبطال أوروبا وكأس العالم للأندية والمنتخبات، وغيرها من الأوسمة الذهبية التي رفعته للمجد، وأدخلته ساحة المشاهير، وأكسبته حب الجميع في كل أرجاء العالم، من جماهير ومدربين ولاعبين وصحافة وحتى الخصوم.
سألوا عنه عباقرة التدريب وأساطير اللعبة القدامى والجدد، فتوحدوا على رفع قبعات الإحترام والإشادة، وأجمعوا على كونه أكثر اللاعبين إحترافية عبر التاريخ، فهو من كان يحرص على الدخول أولا والخروج أخيرا من التداريب، ومن كان يتجاوب مع خطابات المدربين والمسيرين كالعسكري المنضبط، ومن كان يستمتع بأغلى الألقاب في المساء وينام وكأنه لم يفز بشيء، ليبدأ اليوم الموالي باحثا عن اللقب الموالي، دون غطرسة ولا غرور ولا تهاون ولا إشباع.
قال عنه أنشيلوتي: إنه أفضل محترف دربته على الإطلاق، هو لاعب مثالي ولو كان عندي فريق ب 20 لام لما كانت مشاكل.. وقال عنه غوارديولا في كتابه: لام أذكى لاعب رأيته في حياتي، يتقن 4 أدوار بسلاسة غريبة..وتذكر فيليكس ماغات فترة تدريبه بالقول: جاءني وكأنه في عمر 15 لكنني إكتشفت لاعبا تجاوز الثلاثين فكريا وكرويا..فيما أثنى عليه البرازيلي كارلوس ألبيرطو قائلا: لام لا يخطئ، هل هو ماكينة؟ لا إنه فنان».
فيليب الذي كان يحلم في صغره أن يكون خبازا شرح سر نجاح قصته مع الكرة كونه ظل مهتما وحريصا على التطور تكتيكيا لأنه ضعيف البنية، مؤمنا بشدة بحداثة اللعبة وتعدد الأدوار والإختصاصات.
ماكينة مذهلة تتوقف نهائيا الآن، لتترك وراءها إنتاج وافر وسمعة عالمية، شكرا جزيلا فيليب، «دانكي شون» يا لام، سنفتقدك كثيرا. 

 

مواضيع ذات صلة