المغرب ينافس "العم سام" على تنظيم مونديال الأحلام

بتقديم الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، لطلب استضافة كأس العالم 2026، يعود المغرب مجددا لمطاردة حلم استضافة الحدث الرياضي الأكثر كونية، وهو الذي أخفق في ذلك في أربع مناسبات سابقة، لأسباب تعارضت وتقاطعت، منها ما كانت له طبيعة هيكلية بعدم التطابق كليا مع دفتر التحملات، ومنها ما كانت له طبيعة رياضية سياسوية، ومنها ما انطوى على مؤامرة انكشفت خيوطها بعد تسونامي الفساد الذي ضرب الإتحاد الدولي لكرة القدم فأسقط الكثير من الرؤوس.
والمغرب عندما يدخل اليوم سباق تنظيم كأس العالم، فإنه يؤسس الخطو على قدرته للتطابق مع موجبات تنظيم كأس العالم بنظامها الجديد أولا، وعلى وجود كثير من الضمانات ثانيا، وعلى ثقة كبيرة بأن الفضاء الفيفاوي قد تنظف ثالثا، وفي مقام رابع على قاعدة الشفافية التي ستتحكم في التصويت على البلد الذي سيتشرف باستضافة أول كأس عالمية تنظم ب48 منتخبا وليس ب32.
هو إذا تحد كبير يدخله المغرب مسلحا بقدرته الكاملة على الإضطلاع بمهمة تنظيم نسخة رائعة للمونديال، ومسلحا بالثقة الكبيرة التي أبداها فاعلون رياضيون وفي مقدمتهم جياني إينفانتينو رئيس الفيفا بمقدرات المملكة وبمنشآتها الرياضية الحديثة، ومسلحا وهذا هو الأهم بالدعم الكبير من أشقائه العرب ومن أصدقائه الأفارقة.

مولد الحلم كان قبل 30 عاما
على خلفية المونديال الأنطولوجي الذي دخل به أسود الأطلس التاريخ سنة 1986 بالمكسيك، وهم ينجزون العبور الأول من نوعه لمنتخب عربي وإفريقي للدور الثاني متصدرين مجموعة الموت، واحتفالا بهذا الإنجاز التاريخي غير المسبوق، وجه جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني رحمه الله وزيره أنذاك في الشبيبة والرياضة المرحوم عبد اللطيف السملالي والجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ممثلة في رئيسها المرحوم إدريس باموس، لتقديم ترشيح المغرب لاستضافة كأس العالم 1994، وبرغم أن المغرب وقتذاك لم يكن يتوفر على شبكة البنى التحتية التي تؤهله للإضطلاع بمهمة الإستضافة، إلا أنه بعث برسائل واضحة وقوية، مفادها أن تنظيم كأس العالم لا يجب أن يبقى حكرا على أوروبا وأمريكا، وقد أعطى التاريخ الحق للمغرب، لأن كأس العالم سيحل لأول مرة بالقارة الأسيوية (2002) وبالقارة الإفريقية (2010) وسينتهي بذلك احتكار عمر لنحو سبعين سنة.
ولا أجد حاجة للعودة إلى ما أحاط الترشيحات الأربعة للمغرب على استضافة المونديال في نسخه (1994-1998-2006-2010)، لأن ما ستعبر عنه إرادة المغرب وعدم يأسه في رؤية المونديال ينظم على أرضه ويعود ثانية لقارته الإفريقية، شيء يثير الإعجاب وطبعا فإن لهذا إصرار ما يشفعه وما يبرره.

المغرب في قلب المونديال
لم يكن يعني عدم دخول المغرب سباق الترشيح لتنظيم نهائيات كأس العالم 2014، بعد الذي أحاط بعملية إسناد تنظيم نسخة 2010، من تجاوزات انكشفت بالكامل مع ما خلفه سقوط صقور الفيفا السابقين الواحد بعد الآخر، أن المملكة فاض بها الكيل مما رأت وتكبدت في مطاردتها للمونديالات الأربعة، وأنها وأدت حلم تنظيم المونديال في التراب، أبدا لم يكن هذا هو العزم، وأبدا ما كانت هذه من خصال بلد دأب على كسر المستحيل، كل ما هنالك أن الإتحاد الدولي لكرة القدم وهو يسند تنظيم نسخة 2010 لجنوب إفريقيا بما صاحب ذلك من تآمر مع سبق تخطيط وبراعة في التنفيذ، وعد بنقل النسخة الموالية إلى أمريكا الجنوبية وتحديدا إلى البرازيل.
وما يعزز مواصلة المغرب لمطاردة تنظيم المونديال، بل ما كان يؤكد أنه يعيش في صلب كأس العالم، ما باشره منذ سنوات من عمل جبار في العمق طور بشكل كبير البنى التحتية الرياضية والفندقية والتواصلية، وبات معها مؤهلا فوق العادة لتحقيق حلم الأمة، حلم تنظيم كأس العالم.

المغرب يحترم تعهداته
لا يمكن أن نغفل إطلاقا ما أبرزه المغرب غداة إخفاقه في تنظيم نسخة 2010، التي نافس على تنظيمها بقوة، إلى أن شاء التواطؤ الفيفاوي الذي انكشف فيما بعد، أن يمنحها لجنوب إفريقيا، من روح التزام واحترام للتعهدات، فمع نزول قرار الفيفا بمجاملة بلاد نيلسون مانديلا على حساب المغرب، لم يكن العمل بالمركبات الثلاثة الضخمة لمراكش وأكادير وطنجة قد إكتمل، إلا أن جلالة الملك محمد السادس احتراما للتعهدات، سيوجه الحكومة إلى صرف الموازنات المالية الضرورية لإنجاز ما بقي من عمل.
ولم يتوقف المغرب عن هذا الحد، بل إن جلالة الملك سيدفع الحكومة إلى برمجة مركبات رياضية جديدة هي الآن قيد الإنجاز بتطوان ووجدة، ناهيك عن الميزانيات الضخمة التي تم صرفها لإعادة تقويم وتحديث مركبي الأمير مولاي عبد الله بالرباط ومركب محمد الخامس بالدار البيضاء، ومن دون شك فإنه مع تقديم المغرب رسميا لطلب تنظيم كأس العالم 2026، فإن العمل سيبدأ في بناء مركب رياضي هو الأضخم من نوعه بالدار البيضاء.
إن بلدا بهذه المصداقية الدولية، وبهذا الإحترام المطلق للتعهدات، لا يمكنه إلا أن يواصل بحثه عن تنظيم حدث رياضي كوني يؤمن إيمانا جازما، أنه حق مكفول دوليا، وأنه محرك تنموي بمؤشرات إقتصادية واجتماعية قوية لا يمكن التنازل عنه بأي ثمن.

الشكل الجديد للمونديال لا يخيفنا
وبرغم أن ظلالا من الشك خيمت على طموح المغرب في مطاردة حلم تنظيم المونديال، بعد الذي طرأ على بنية كأس العالم خلال الجمعية العمومية للفيفا التي انعقدت في الربيع الماضي بالبحرين، عندما ارتفع عدد المنتخبات المشاركة في النهائيات إلى 48 منتخبا، على اعتبار أن المرافق والمنشآت والحاجيات اللوجيستيكية ستتضاعف، إلا أن صاحب الجلالة الملك محمد السادس قدم الإشارة القوية على أن لا تنازل عن حق المغرب في التنظيم، عندما خاطب عائلة كرة القدم الإفريقية التي اجتمعت برعايته السامية بالصخيرات في إطار مناظرتها، داعيا إياها بالدفاع عن حقها في تنظيم نهائيات كأس العالم، الحق المكفول لكل القارات الأخرى.
وهي الإشارة التي تعززت بالرسالة التي أوصلها رئيس الجامعة السيد فوزي لقجع إلى السيد جياني إينفانتينو رئيس الإتحاد الدولي لكرة القدم، ومن خلاله إلى المنتظم الكروي العالمي في افتتاح مناظرة كرة القدم الإفريقية، عندما قال أنه من غير العدل إطلاقا أن لا تنظم إفريقيا كاس العالم بمرور 100 سنة على ميلاده سوى مرة واحدة.
وطبعا عندما يقول إينفاتينو علنا طبقا لما شاهده بأم العين أن المغرب له كل المقدرات ليضطلع بتنظيم كبيرات الأحداث الرياضية العالمية، وفي طليعتها كأس العالم، فإنه في ذلك لا يجامل كما كان حال سلفه بلاتير، ما دام أن الفيفا أسست من خلال القيادة الجديدة لخطاب جديد يقوم على الصدقية والنزاهة وعدم تسويق الوهم.

ترشيحنا بهوية إفريقية
من المؤكد إذا أن ترشح المغرب لتنظيم نهائيات كأس العالم 2026، لا يشبه في شيء أي من الترشيحات الأربعة السابقة، برغم ما يوجد من قواسم مشتركة، أهمها أن المغرب وضع على الدوام، وما يزال يضع تنظيم المونديال في صلب منظومة التنمية المجتمعية، فإن كانت للترشيحات الأربعة الماضية سياقاتها الزمنية ومناخاتها الكروية التي كانت تسيطر وقتذاك على البيئة الكروية العالمية، فإن الترشيح الحالي يتأسس على قناعة راسخة لدى المغرب، هو أن له كامل الحق في طلب تنظيم حدث المونديال، بل إنه في ذلك لا يعبر عن حقه الذاتي ولكنه يدافع عن حق قارة، إذا فهو ترشيح سيحظى ليس فقط بإجماع الدول الإفريقية، ولكن سيتعداه إلى إستثمار كل التأثيرات التي تملكها الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم في محيطها العالمي، تنزيلا لما كان فيه السيد أحمد رئيس "الكاف" جازما، عندما قال أن كل إفريقيا ستكون وراء المغرب إن طلب تنظيم كأس العالم، لأنها في ذلك ستدافع عن كينونتها وعن حق مشروع.
لذلك أتوقع أن يكون للكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم كمؤسسة مؤثرة، دورها الكبير في الضغط بقوة من أجل أن ينال المغرب حقه في تنظيم مونديال سعى إليه على مدار 30 سنة كاملة.
وعندما نضع ترشيح المغرب في كنف القارة، فلأن الفيفا باتت جادة في تحقيق نوع من المساواة بين القارات، حدث ذلك عندما قلصت ما كان من فوارق كبيرة بين حصص القارات من حيث المقاعد المحجوزة في نهائيات كأس العالم مع إقرار الزيادة الأخيرة إذ حصلت القارتان الإفريقية والأسيوية على أكبر زيادة، وحدث ذلك أيضا عندما إستبعدت الفيفا رسميا من المنافسة على تنظيم كأس العالم 2026 القارتين الأوربية والأسيوية، بالنظر إلا أنهما ستنظمان على التوالي نسختي 2018 و2022، لذلك يرجح أن يكون للمؤسسات القارية دور إستراتيجي في رسم معالم البلد المستضيف للمونديال.

المنافسة شرسة lمع العم سام
بنهاية الآجال الزمنية التي حددها مجلس الفيفا لوضع طلبات الترشيح لتنظيم مونديال 2026، يكون المغرب والملف الكندي الأمريكي والمكسيكي هما المتنافسان على التنظيم، وبالتالي سيشرع في تطبيق الأجرأة المتوافق عليها، أن تعرض الدول المتنافسة ملفات ترشيحها على مجلس الفيفا، وبعد ذلك يعهد للجمعية العمومية بالتصويت على البلد المستضيف لمونديال 2026، على هامش احتضان روسيا لنهائيات كأس العالم سنة 2018.
وإذا كان الملف الأمريكي الشمالي قد حدد الكثير من ملامحه، فإن الملف المغربي الذي هو ملف إفريقي مائة بالمائة، سيكون عليه أن يكشف في الأيام القليلة القادمة عن هويته وتضاريسه، بالإجابة عن الأسئلة التالية:
هل سيطلب المغرب وحيدا تنظيم المونديال؟
أم أنه سيسمي لاحقا شريكا أو شريكين؟
وإن حدد هذا الشريك أو الشريكين، لأي قارة سينتمي هذا البلد أو هذان البلدان اللذان سينضمان للمغرب في السباق الشرس والمحموم؟
وطبعا لا حاجة لأن نجازف بالقول أن الدول المشكلة للملف الأمريكي تمثل مرتكز قوة قد ترجح كفته على الملف المغربي، فهناك بالتأكيد هوامش كبيرة للمناورة، وهناك حاجة لإبداع منظومة ترويج جديدة مبتكرة من روح العصر، وهناك ضرورة ملحة لأن يأتي الترويج للملف المغربي مؤسسا على البعد المغربي وعلى البعد الإفريقي.
إن منافسة ملف كالملف الأمريكي الشمالي، تحتاج إلى حذاقة ومهارة عالية في تصميم الترشيح بكل أبعاده السياسية والرياضية والثقافية والإنسانية، على اعتبار أن الدول التي ستنظم كأس العالم إعتبارا من نسخة 2026، لا يكفيها أن تكون لها شبكة ضخمة من الملاعب ومن الطرق السيارة ومن المرافق الإيواء، ومن كل ما يساعد حدث كأس العالم على أن يحقق المنافع الرياضية والإقتصادية المراهن عليها، ولكن يجب عليها أيضا أن تكون مصنفة من ضمن الدول المحترمة لحقوق الإنسان والموقعة على إتفاقيات المحافظة على البيئة والتي كانت مراكش مهدا لها.

ما ضاع حلم وراءه شعب وقارة
اليوم قرر المغرب العودة مجددا لمسرح التباري من أجل نيل شرف تنظيم كأس العالم، وهو يعود مؤمنا بأنه صاحب حق وصاحب حلم وصاحب رسالة إنسانية، وليست هناك شريعة من الشرائع تقبل بأن يضيع حق وراءه طالب، أو تقبل بأن يتكسر حلم إنساني لا يتقاسمه شعب فقط ولكن تتقاسمه قارة بكاملها، أو تقبل بأن تجهض رسالة تنادى بالعدالة والمساواة.
سيمضي المغرب واثقا وطموحا لا ييأس، من أجل أن يعيد كأس العالم للقارة الإفريقية للمرة الثانية قبل أن تحل مائويته الأولى، تماما كما كان البادئ سنة 1986 بإعلاء صوت البشرية من أجل أن لا يبقى تنظيم كأس العالم حكرا على القارتين الأوروبية والأمريكية. 

مواضيع ذات صلة