
غريبة هي الكرة
أستطيع القول أن تأهل البلد المنظم غينيا الإستوائية إلى ربع النهائي في أول مشاركة تاريخية وأول إنجاز قاري له مع أنه يصنف عالميا في المركز 150، يعتبر من المفاجآت العملاقة في المجموعة التي أخرج من خلالها منتخب السينغال نهائيا من المنافسات (44 عالميا)، إذ الأحكام التي انساقت مسبقا بوضع السينغال كمرشح ليس فقط للعبور إلى الدور الموالي، بل للمنافسة على لقب البطولة، أبطل مفعولها بظهور غينيا الإستوائية في دائرة الأحداث كوجه جديد من صغار المنتخبات التي ظلت تاريخيا حكرًا أمام المنتخبات المتوسطة والكبيرة ومن دون أي مفاجآت تدخل ذات المنتخب في النهائيات الرسمية مثلما حظيت بها اليوم كمنظم وليس كمؤهل رسمي مثل باقي المنتخبات.
وما يفاجئني أصلا من هذا المنتخب المغمور وكمنظم للدورة أنه لم يستعد في ظروف جيدة بعد الهزة التقنية التي أحدثها الفرنسي هنري ميشيل قبل شهر من النهائيات عندما استقال من منصبه الفني لوجود ظروف غير مريحة في العمل، وضعف الموارد البشرية في البطولة الغينية، وغياب الدعامات التي يمكنها أن تؤسس لحضور كبير في النهائيات إلى جانب مشكلات أخرى قد تكون منبعثة من التخوف الذي أحاط هنري ميشيل بدخول المعركة كمنهزم أمام السينغال وزامبيا وليبيا وخروج مبكر يضعه في النهاية كمدرب فاشل، إلا أن هذه الصورة الفنية والإنهزامية لهنري ميشيل، غيرت مجرى الزمن بسرعة عندما قبل البرازيلي باولو جيلسون مهمة تدبير المنتخب الغيني الإستوائي بقدرات البحث عن أقرب السبل للائحة مع أنه لا يعرف مطلقا أبرز وجوه ذات المنتخب، وكان عليه أن يدخل غمار المعركة ضد الساعة باختيار خمسة لاعبين كاميرونيين مجنسين إلى جانب الحارس البرازيلي دانيلو إمانويل، إلى جانب الإعتماد على أبرز الأسماء التي تلعب بإسبانيا بالدرجات الثانية والثالثة وكولومبيا وتركيا وعمان مع لفيف من محليي البطولة الغينية الإستوائية.. وهذه التجريدة التي يفترض أن تكون مجتمعة قبل أشهر لم تدخل غمار نقاش التحضيرات إلا أسابيع قليلة من النهائيات، لكنها قدمت لإفريقيا وحدة متناغمة بالفوز على ليبيا ثم السينغال في أروع سيناريو ظهور منتخب مغمور على واجهة الأحداث رغم أن فوزها على السينغال كان ضربة حظ كبيرة بالنظر لما أهدر فيه السينغال بسلا كبيرا من الفرص التي كادت تصفع غينيا الإستوائية بحصة تاريخية.. ومع ذلك تأهلت غينيا الإستوائية لأنها استفادت من الإستهجان السينغالي، وقتلت أحلامه كمنتخب موضوع في ثوب المرشح للتأهل على رأس المجموعة.
وبقدر ما اهتز شعب غينيا الإستوائية لمفاجأة الساعة وتأهل منتخبه، إهتز عرش الكرة السينغالية التي تعلقت كثيرا بسيناريو النهائيات على أنها بطلة مثل غانا والكوت ديفوار والمغرب وتونس، بينما خرجت صاغرة على نحو غريب من الحضور الإستراتيجي لفريق يضم أبرز الأسماء العالمية في بطولات إسبانيا، أنجلترا، فرنسا وألمانيا وبوزن ثقيل من الأسماء التي تعودت على الأضواء العالمية لكنها صغرت إفريقيا أولا باستهجان زامبيا وغينيا الإستوائية، وثانيا لأنها أهدرت الصراع الجدي داخل الرقعة من دون قراءات الخصوم، وثالثا أهدرت سيل الفرص أمام غينيا الإستوائية وأدت الثمن غاليا بحسرة الإهدار وتوديع النهائيات على نحو غريب من السيطة الميدانية بلا منفعة الوصول إلى المرمى أيا كانت أوضاع الطقس المطير على الجانبين، وهذه الموازنة الغريبة للقاء غريب طرح الصغير في ثوب الكبار، ووضع الكبير في ثوب الصغار هي التي مزقت السينغال نفسيا من معطى أن من يهدر سيل الفرص ينهزم بالغدر والمفاجأة مثلما حدث للمغرب أمام تونس، ومن يسيطر دائما ويحتكر اللقاء بالكامل من دون إيجابية النتيجة لا يمكنه أن يفوز في منظق الكرة حتى ولو أبدع وقدم لقاء مثيرا وخذله الحظ، لأنه كان على السينغال أن يضع لقاءه الأول أمام زامبيا في محك جدية الصرامة والبحث عن الفوز، لكنه هزم أيضا بالإستهجان، وعاد ليسقط في ذات المصيبة في لقاء ثاني أقل صورة واختلاف بين زامبيا وغينيا الإستوائية في الأسطول والأداء، ما يعني أن السينغال أسقط نفسه بنفسه بأنه دخل النهائيات مشمعا بخيوط البطل والمنافس على اللقب، لكنه خرج في ثوب صغار المنتخبات مهما أضاعه في الشق الثاني من مباريات مجموعته كلقاء مصيري وانتقامي من دون أن يحسب جيدًا تداعيات فوزه الممهد للتأهل..

عدد التعاليق 0