ADVERTISEMENTS

النجاح بصيغة قطر

بدرالدين الإدريسي الثلاثاء 05 فبراير 2019 - 13:24

من منا لم يعجب بالمنتخب القطري، شخصية وأداء وتركيبة، وهو يتوج بعلامة الإستحقاق الكاملة بطلا للقارة الأسيوية لأول مرة في تاريخه.
من منا لم يقتنع في مباراة اليابان، والتي كانت خاتمة المشوار الخرافي والأسطوري لمنتخب قطر، بأن هذا الفريق أهل لأن يتقلد وشاح البطولة ويجلس للسنوات الأربع القادمة على عرش كرة القدم الأسيوية، وكل من بقيت له ذرة شك واحدة في أهلية «العنابي» لهذا التميز التاريخي، ما عليه إلا أن يعود للأرقام وللإحصائيات، ليقف بنفسه على حقيقة أن العنابي ما كان ليجارى من أي من المنتخبات 24 التي تبارت في النسخة التي نظمتها الإمارات بكل معاني الإقتدار والإتقان، بل إنه تفوق في كثير من منظومات اللعب على من يوصفون بأنهم القوى الكروية الوازنة في القارة الصفراء.
المنتخب القطري فاز بمبارياته السبع، وكان صاحب أفضل خط هجوم بتوقيعه 19 هدفا، وكان نجمه المعز علي هو أفضل هداف للدورة الواحدة في تاريخ كأس أسيا متخطيا أسطورة كرة القدم الإيرانية علي دائي، وكان صاحب أفضل خط دفاع، إذ استقبلت شباكه هدفا واحدا في 7 مباريات وكان ذلك أمام المنتخب الياباني في المباراة النهائية، ثم إن هناك من الأرقام التفصيلية ما يبرر هذا التفوق التكتيكي الكبير للمنتخب القطري، ليس فقط في عدد مرات الإغارة على دفاعات الخصوم، ولكن أيضا في التنويع الرائع لطريقة الأداء وعدم السقوط في علة العلل التكتيكية التي تضرب كرة القدم الحديثة، الإستحواذ السلبي.
شخصيا، عرفت كثيرا من الأجيال التي مثلت منتخب قطر، وأستطيع الجزم بأن هذا الجيل الذي صعد لقمة القارة بشكل غير مسبوق، هو أروع وأقوى هذه الأجيال كلها، ولا غرابة في ذلك إذا ما تبينا جيدا ظروف الحمل والمخاض وبيئة النمو ومناخات العمل الفني، فهذا الجيل هو نتاج رؤية وضعت لها قواعد قبل نحو عشر سنوات، بخاصة مع إطلاق قطر لأكاديمية أسباير لصناعة التميز الرياضي سنة 2005، ولما كان العمل قد تأسس على مقاربات حديثة بحضور حاملين لفلسفة تكتيكية متطابقة (المدرسة الإسبانية)، فإن أسباير التي دعت لدوريات دولية في صفوف الناشئين، سجلت مشاركات موصولة ومدروسة بعناية فائقة لمدارس كروية عريقة، ستعطي قطر أول باكورة لهذا العمل الممنهج، الذي رصدت له إمكانات مالية ولوجيستيكية ضخمة، منتخبا مؤطرا من المدرب الإسباني سانشيز، خرج سالما وسويا بل وقويا من خيمة الإعداد، ليفرض نفسه بقوة في بطولات الناشئين بأسيا، قبل أن يطل على الحدث الكروي الأبرز في قارته ويقدم نفسه في صورة المنتخب الحامل جنينيا لجينات العبقرية والمتمثل لكل الأدوات التكتيكية الموظفة في كرة القدم الحديثة.
وكما أن بطولة آسيا للأمم في نسختها الأخيرة بالإمارات قد نجحت، كما كان الحال مع كأس أوروبا للأمم الأخيرة في تبرير توسيع دائرة المشاركين في النهائيات بالإنتقال من 16 إلى 24 منتخبا، باستحضار رهان تنمية المنتخبات الصغيرة وتمكينها من فرص التباري في المستويات العالية، فإنها اقتلعت من الجذور حكما مسبقا، بأن منتخبات غرب القارة الأسيوية قد ابتعدت كثيرا عن نظيراتها في شرق القارة، ذلك أن منتخبين عربيين بلغا الدور نصف النهائي (قطر والإمارات)، كما أن من توج باللقب منتخب عربي، وهذا أمر غاب تماما عن آخر نسختين (2011 اليابان و2015 أستراليا).
أما ثالث الدروس المستفادة من نسخة 2019 ومن تتويج منتخب قطر باللقب، هو أن التكوين الأكاديمي والعلمي المؤسس على قواعد صلبة لا تقبل بالقرارات المزاجية، يمكنه لوحده أن يقود لمثل هذه النجاحات التاريخية، كما يمكنه أن يحجم كل الفوارق على المستويات الديموغرافية وحتى التاريخية.
ولعل في هذا التتويج، ما يزيد من اقتناعنا نحن من نفتح الكثير من الأوراش لتقويم ممارسة كرة القدم المغربية وهيكلتها والدفع بها للإحترافية، بأن طريقنا للنجاح وللتميز قاريا وحتى عالميا، هو الإنتصار لفكر التكوين العلمي والأكاديمي بكافة مستوياته، ولو أن أكاديمية محمد السادس التي أعطتنا النصيري ومنديل والتكناوتي وغيرهم، تمثل شعاع أمل، بقدرتنا على أن ننجح التكوين الكروي من المستوى العالي بطريقة مغربية.   

 

تنبيه هام

تؤكد «المنتخب» أنها تمنع منعا باتا استنساخ أو نقل أو نشر مواضيع أو صور منقولة من نسختها الورقية أو من موقعها الإلكتروني سواء بشكل كلي أو جزئي، أو ترجمتها إلى لغات أخرى بهدف نقلها إلى الجمهور عبر أي وسيلة من وسائل النشر الإلكترونية أو الورقية… وكل مخالف لذلك سيعرض نفسه للمتابعة أمام القضاء وفق القوانين الجاري بها العمل.

ADVERTISEMENTS
مواضيع ذات صلة
ADVERTISEMENTS