ماذا علمنا مؤتمر دبي؟

إستوقفتني الكثير من الإشارات والإيماءات وحتى الدروس المباشرة عند ملاحقتي للجلسات الست التي أثثت فضاء النسخة الثامنة لمؤتمر دبي الرياضي الدولي الذي تم إطلاقه من مجلس دبي الرياضي قبل ثمان سنوات بهدف الوقوف عند تنوع وخصوبة وأيضا متاعب المشروع الإحترافي في كرة القدم والذي تختلف تضاريسه بين دولة أوروبية وأخرى.

ومع معرفتي المسبقة بأن عقد أية مقارنة بين مشروعنا الإحترافي وبين الدرجة التي بلغتها التجربة الإحترافية بأوروبا من خلال النماذج المنتقاة بعناية شديدة وبالإستناد على منهجية دقيقة والتي تم عرضها عبر محاور خلال هذا الموتمر سيكون ضربا من العبث لوجود فوارق تعجز كل قياس، مع يقيني أننا ما زلنا في فترة الحبو، إلا أنني وجدت أن مجرد الإستخفاف بالقيمة الفكرية لعرض التجربة الإحترافية المغربية على الإفتحاص من خلال الدعوة لمثل هذه المناظرات يفضح العجز الفكري لمن حملوا أمانة الإبحار بمركب الإحتراف في بحور أمواجها متلاطمة والثيارات الإقتصادية فيها شديدة القوة.

صحيح أن الجلسات خلال مؤتمر دبي الذي حمل شعار «كرة القدم والتمكين للمستقبل» وشهد للأمانة حضورا وازنا لقامات فكرية ورياضية واقتصادية أبرزت العوامل المساعدة على تطوير المنظومة الإحترافية، لم تكن كلها بنفس القيمة الفكرية لاختلاف في المرجعية والموروث، إلا أنه كان بالإمكان القبض على منطلقات لا بد أن تكون أساسا لكل مشروع إحترافي ومنها ما كنت شخصيا أصر عليه، ضرورة التطابق مع البيئة ومع الموروث الفكري والممكنات الإقتصادية، فلا إحتراف مع إقتصاد الريع القائم على الإتكالية والذي لا يضمن لأي عنصر الدخول في صراع من أجل إثبات الذات والجدوى، ولا خير يرجى من إحتراف لا يتم تنزيله باحترام كامل للقواعد الرياضية والفكرية والإقتصادية ولا أمل في إحتراف لا يتجدد ولا يتطور ولا يقرأ نفسه في مرأة الآخرين، قراءة محاكاة وليس قراءة مقارنة قد تصيب بالإختناق المفضي إلى اليأس.

إن قوة الإحتراف الأوروبي الذي توجد بين أضلاعه الكثيرة إختلافات جوهرية، قلت أنها تنسب لاختلاف البيئات الإقتصادية على الخصوص، هي في كونه برغم وصوله الجيل الثامن لا يتوقف عن طرح الأسئلة المتعلقة بالمخاطر الإقتصادية والمتعلقة أحيانا بالبدائل الممكنة على إعتبار أن هناك بين الحين والحين حالات إختناق، كما كان الحال في السنوات الأخيرة عندما ضربت أوروبا أزمة إقتصادية خانقة أفلست معها مؤسسات كبرى وأصابت بشظاياها أندية كرة القدم، وهذا النقد الذاتي المتواتر والمتلاحق بأسئلته الساخنة هو ما يعطي باستمرار لهذا الإحتراف القدرة على أن يعيش.

وقد أمكنني أن أشهد ما كان من تداعيات إيجابية للنسخ الثمانية لمؤتمر دبي الرياضي والذي تمنيت على أخي الدكتور أحمد الشريف الموجه الفكري لمجلس دبي الرياضي، أن يعمم لكل إستفادة ممكنة توصياته ومضامينه مختزلة على جامعات كرة القدم بالوطن العربي، تعمل بدورها على توزيعها على الأندية، أمكنني أن ألمس نقط التجاذب بين المؤتمر بمحاوره ونقاشاته وخلاصاته وبين التجربة الإحترافية بدولة الإمارات والتي إن كانت تعيش كما الحال في كل الدول العربية مخاضات عسيرة إلا أنها تكتسب عبر هذا الإنفتاح الكثير من التجربة لتدبير نفسها وتحصل على مشروع إجابات لعديد الأسئلة التي تطرح عادة على كل مشروع إحترافي وليد.

وسواء عندما وصف الدون كريستيانو رونالدو النجم البرتغالي الذي يصنف اليوم ضمن أساطير كرة القدم طريقه إلى القمة ببساطة شديدة عندما قال أن الأمر يرتبط أساسا بالعمل الدؤوب وبالإيمان بالقدرات وباستفزاز الملكات وتحفيز النفس أو عندما عرض بيب غوارديولا وفابيو كابيللو وكونتي لأسباب النجاح من وجهة نظرهم كربابنة تقنيين بلغوا القمم العالمية بما أنجزوه وابتكروه أو عندما تناوب مدراء للتسويق بمختلف الإنتماءات وبتنوع التجارب على تأكيد أن كرة القدم وهي خيمة كبيرة تتحقق فيها العدالة وكل الأحلام حتى تلك التي تبدو مستحيلة لأول وهلة ولا تفرض على الداخلين إليها تأشيرات من أي نوع، كرة القدم هاته يمكن أن تكون على الدوام مؤسسة متعددة الجنسيات ومدرة للربح الأدبي والنفسي والقيمي والمالي أيضا إن جرى عقلنة تدبيرها ونأت عن كل أنواع الشطط والمجازفات غير المحسوبة.

قد يكون كثير مما سمعته وسمعه غيري ممن حضروا فعاليات المؤتمر وهم بالمئات معروفا لكم، إلا أن ما إستوقفني هو أخلاق الفرسان التي يتمتع بها أساطير كرة القدم، فلم يتوان عملاق مثل الإيطالي فابيو كابيللو المدرب الحالي للمنتخب الروسي وأحد أساطير الميلان لاعبا ومدربا في الإشادة بالإسباني بيب غوارديولا الذي قال أنه أحد ثلاثة أحدثوا ثورات كبيرة في منظومة كرة القدم، قانون التسلل الذي قلب وجه الكرة ومواطنه أريغو ساكي الذي إخترع لشاكلة 4ـ4ـ2 ثوبا تكتيكيا لا يبلى وبيب غوارديولا الذي فجر ينابيع جديدة لكرة القدم أخرجتها مياهها الغامرة من مستنقعات النمطية.

وكان رائعا أن يبادل غوارديولا كابيللو هذه اللفتة الإنسانية التي تنم عن خلق عال هو من طبع الكبار، عندما قال أنه تتلمذ على أيدي مدربين عباقرة كان منهم كابيللو، وعندما إعترف أن وجه الإعجاز في فلسفة برشلونة التي أبهرت العالم وجنت العديد من الألقاب هو ليونيل ميسي الحامل لكل صفات العبقرية، وقد كان محقا في ذلك عندما قال بأن كرة القدم لكي تعيش مثل هذه الطفرات لا بد لها من لاعبين خارقين للعادة أمثال بيلي، مارادونا، زيدان وميسي.

سعدت كثيرا بأنني كنت من المحظوظين بحضور فعاليات المؤتمر الرياضي الدولي الثامن لدبي الذي يختص بالإحتراف والذي أصبح بفعل مضامين العرض والنقاش وبفعل الأطروحات المعروضة وبفعل التوصيات والإقتراحات المرفوعة إلى المنتظم الكروي الدولي محطة سنوية فكرية عالمية وقوة إقتراحية ذات قيمة عالية، وسأكون سعيدا أكثر لو نقلنا التجربة الإماراتية إلى المغرب ليصبح لنا أيضا موعد نتطارح فيه قضايا إحترافنا المغربي والإفريقي الذي يحتاج وهو في مرحلة الولادة إلى حليب الحياة.

 بدر الدين الادريسي