القصة الكاملة لكأس العالم - جنوب إفريقيا 2010

جنوب إفريقيا

البلد المنظم: جنوب إفريقيا

إسبانيا

الفائز باللقب : إسبانيا

الماتادور الإسباني سلطان زمانه

 

كم هي قصيرة المسافة بين أسبانيا وأفريقيا عبر المضيق، وكم زاد قربهما في احتفالات الجميع بنهاية النسخة التاسعة عشرة من كأس العالم، التي عمت الفرحة فيها لتمتد بطول الطريق من بلومفونتين إلى برشلونة.

إن هذه هي أول مرة تحط فيها كأس العالم الرحال في القارة السمراء، وسوف تبقى طويلاً في الذاكرة بروح وابتسامات سكان جنوب أفريقيا وكذلك بانتصار الفريق الأسباني الذي توج بطلاً للمرة الأولى في تاريخه بفضل هدف الفوز على هولندا الذي سجله أندريس إنييستا في الدقيقة 116، ليصبح بلده ثامن بلد يفوز بأكبر جائزة في عالم كرة القدم.

لقد أسدل انتصار أسبانيا الستار في «إناء» سوكر سيتي الجميل على 31 يوماً من كرة القدم: 64 مباراة في تسع مدن شارك فيها 599 لاعباً من 32 منتخباً سجلوا 145 هدفاً، وفي النهاية احتفل كل رجال فيسنتي ديل بوسكي بالجائزة، ولكن نجاح جنوب أفريقيا كان قصة جميلة أخرى، إذ بعثت أمة قوس قزح برسالة أمل لكل القارة من خلال عرض يحمل الكثير من المعاني ويبعث على الفخر، ولم يفتر الحماس ولم يهدأ طنين الفوفوزيلا المتواصل حتى بعد أن أصبح منتخب جنوب أفريقيا هو أول منتخب يخرج من الدور الأول وهو يلعب على أرضه.

ولم تخل جنوب أفريقيا 2010 من المفاجآت، ولكن الأسبان تغلبوا على المفاجأة التي صدمتهم في البداية – بخسارتهم في المباراة الأولى أمام سويسرا – وفازوا بمبارياتهم الست الباقية، بنتيجة واحدة في الأربع الأخيرة منها هي 1 - 0... لقد أصبح منتخبهم هو المنتخب الذي فاز بكأس العالم بأقل عدد من الأهداف – 8 أهداف – ولكنهم مع ذلك لفتوا الانتباه بأدائهم، فمن إسهامات أستاذي التمرير تشابي وإنييستا، إلى هدافهم دافيد فيا، وحتى إيكر كاسياس، الذي كان إنقاذه لمرماه من آريين روبن الذي انفرد به مرتين في النهائي سبباً كافياً ليصدق الجميع أنه يستحق عن جدارة القفاز الذهبي.

أما الهولنديون، فسوف يعودون من جنوب أفريقيا بذكريات بعضها حلو وبعضها مر، بعد أن انكسر فؤادهم في المباراة النهائية للمرة الثالثة، بعد أن كانوا قد خسروا فيها في سنتي 1974 و1978.. لقد فاز رجال بيرت فان مارفيك في كل المباريات التي خاضوها حتى بلغوا الموقعة النهائية، وبما أن هذا الجيل الهولندي أكثر واقعية من الأجيال التي سبقته، فإن لاعبيه التزموا بطريقة 4ـ2ـ3ـ1 التي سادت في هذه النهائيات، واستطاع ويسلي شنايدر أن يحرز وحده خمسة أهداف طوال هذه المسيرة.

إنجازات فردية    

قدم يواكيم لوف مدرب ألمانيا قصة نجاح أخرى، أمتع خلالها الجمهور بأسلوب ملتهب في تنفيذ الهجمات المرتدة وهو يتقدم على إنجلترا والأرجنتين بأربعة أهداف في مرمى كل منهما، قبل أن يصطدم مرة أخرى بإسبانيا التي هزمته بنفس النتيجة التي فازت عليه بها في نهائي كأس الأمم الأوروبية 2008، وأنهى أصحاب الميداليات البرونزية في 2006 بطولة هذا العام بأكبر رصيد من الأهداف (16 هدفاً) وعاد مهاجمهم توماس مولر للديار وهو يحمل جائزة أفضل لاعب شاب وجائزة الحذاء الذهبي، ونال هذه الأخيرة نظير تسجيله خمسة أهداف وصناعته ثلاثة أهداف أخرى.. وقد أحرز كل من فيا وشنايدر ودييغو فورلان خمسة أهداف أيضاً، ولكن مولر الذي سدد في البطولة خمس تسديدات أسفرت عن خمسة أهداف تفوق عليهم بفضل مساعدته لزملائه في تسجيل الأهداف أكثر منهم.

وكانت الجائزة الفردية الكبرى الأخرى من نصيب فورلان، الذي فاز بالحذاء الذهبي مكافأة له على عروضه الأكثر من رائعة ضمن صفوف منتخب الأوروغواي، الذي كان المفاجأة الكبرى في البطولة. فقد عاد فريق أوسكار تاباريز إلى المربع الذهبي لأول مرة بعد 40 عاماً، بفضل عناد لاعبي الأوروغواي المعهود وخبرة فورلان، الذي يمكن القول بأنه أفضل من نجح في ترويض الجابولاني، وتألق مع زميله المهاجم لويس سواريز بمهارتهما في هز الشباك.

وقبل الوصول إلى دور الثمانية كانت صفوة منتخبات أمريكا الجنوبية قد بعثت برسالة تهديد قوية لباقي المنتخبات، فلأول مرة تأهلت فرق القارة اللاتينية الخمسة كلها إلى الدور الثاني، واحتلت أربعة منها المركز الأول في مجموعتها، ونجحت الشيلي بأسلوب لعبها المفتوح وأدائها الجميل الجذاب في أن تنهي 48 عاماً من انتظار تحقيق الفوز بإحدى مباريات النهائيات، لتظفر في نهاية دور المجموعات بالمركز الثاني وتتأهل لدور الستة عشر مع أسبانيا المتصدرة، ثم واصلت الأرجنتين والبرازيل والباراغواي والأوروغواي طريقها إلى دور الثمانية الذي وصلت إليه الباراغواي هذا العام لأول مرة في تاريخها، وكان يبدو أن مهاجمي الأرجنتين قوة ضاربة لا تُقهر، ولكن أحلام دييجو مارادونا في الحصول على لقب العالم مرة أخرى تحطمت على يد الألمان، وانهارت آمال البرازيل في شوط ثانٍ أشبه بالكابوس أمام هولندا التي جعلت الفريق الذي يستعد لاستضافة بطولة 2014 يخرج من دور الثمانية للمرة الثانية على التوالي.

ولا يختلف اثنان على أن اليوم الذي حول فيه المنتخب البرتقالي خسارته إلى فوز على فريق دونجا كان هو أكثر أيام البطولة إثارة، فكل من يتذكر مباراة الأوروغواي وغانا التي جرت في ملعب سوكر سيتي يعرف ماذا نقصد بهذا.. فقد كاد منتخب النجوم السوداء أن يصبح أول فريق أفريقي يصل إلى المربع الذهبي، ولكن كرة أسامواه جيان التي سددها من نقطة الجزاء في الدقيقة الأخيرة من الوقت الإضافي ارتطمت بالعارضة الأفقية وطارت بعيداً وراء المرمى.. وقد نجح جيان بعد ذلك في التسجيل عندما احتكم الفريقان للضربات الترجيحية، ولكن الغلبة في النهاية كانت للأوروغواي.

خيبة أمل الأفارقة 

كانت مسيرة غانا التي هزمت فيها صربيا والولايات المتحدة الأمريكية هي أعظم إنجازات الأفارقة في هذه البطولة، فقد ساد الحزن عندما ودع فريق كارلوس ألبرطو باريرا صاحب الأرض المنافسات رغم فوزه على فرنسا، وكان ذلك بسبب فارق الأهداف الذي رجح كفة المكسيك، ولكن مع ذلك خرج لاعبو البافانا بافانا مرفوعي الرؤوس وسجلوا أول أهداف البطولة بكرة سيفيوي تشابالالا التي استقرت في شباك المكسيك، وأقصيت كوت ديفوار أيضاً بعد أن جمعت أربع نقاط، ولكن باقي المنتخبات الأفريقية الجزائر والكاميرون ونيجيريا لم تتمكن من تحقيق الكثير وجاء كل منها في مؤخرة ترتيب مجموعته.

وكانت البطولة حافلة بالإثارة حقاً وساهم في ذلك منتخب الولايات المتحدة الأمريكية الذي حول خسارته بهدفين أمام سلوفينيا إلى تعادل ثم حجز مكانه في دور الستة عشر بعد أن اعتلى قمة مجموعته بهدف لاندون دونوفان الذي فازوا به على الجزائر في آخر أنفاس المباراة، وكان فوز سلوفاكيا 3 – 2 على إيطاليا مفاجأة أخرى في ختام مرحلة المجموعات، حيث ساعد هدفا روبرت فيتيك على إخراج حاملي اللقب من البطولة وإيصال فريق فلاديمير فايس إلى دور الستة عشر في أول ظهور له بعد استقلال البلاد.

ومن الواجب أن نشيد بفرق أخرى أيضاً. حيث كشفت المكسيك عن بعض المواهب الرائعة لدى لاعبيها الشباب الذين نجحوا في الوصول بها إلى دور الستة عشر للمرة الخامسة على التوالي، وتأهلت اليابان وكوريا الجنوبية إلى الدور الثاني للمرة الأولى خارج أرضيهما، وكان منتخب نيوزيلندا المغمور، في أول مشاركة له منذ عام 1982، هو المنتخب الوحيد الذي غادر جنوب أفريقيا دون أن يخسر أي مباراة، وسجلت كل من اليونان وسلوفينيا أول فوز لها في كأس العالم، كما أذهل الأخطبوط بول الجميع بتنبؤاته الصحيحة، أما أكثر من خاب أملهم في البداية فقد كانوا من الأوروبيين، حيث خرجت إيطاليا وفرنسا، طرفا نهائي 2006 بخفي حنين من دور المجموعات دون أن تحرز أي منهما فوزاً واحداً، وتعرضت إنجلترا لأثقل هزيمة لها في كأس العالم عندما خسرت أمام ألمانيا 4 – 1 وخرجت من البطولة.

ولكن أوروبا في النهاية كانت هي التي قدمت لنا الفائز لأول مرة على أرض قارة أخرى وإن كانت أفريقيا تستطيع أن تحتفل هي الأخرى، ولعل أسعد الناس بهذه البطولة هو نيلسون مانديلا، الذي أسعد جماهير ملعب سوكر سيتي بظهوره قبل المباراة النهائية،  وكما قال رئيس الإتحاد الدولي جوزيف سيب بلاتر عن الرجل الذي لعب دوراً جوهرياً في إنشاء جنوب أفريقيا الحديثة: «لقد استفادت بطولة كأس العالم هذه من قوة دفع خاصة، ترتبط بتاريخ من الحرية وتاريخ رجل واحد».