من الذي يكتب القرار قبل أن يُعلن… ويترك لنا فقط مهمة التصفيق أو الغضب؟

من الذي يختار التوقيت بدقة… توقيت الإقالة، توقيت الإنتداب، توقيت التسريب… كأن كل شيء يسير وفق سيناريو لا نراه؟

هل ما نتابعه في البطولة صراع تقني بين مدربين ولاعبين… أم صراع مراكز نفوذ تتخفى خلف القمصان والشعارات؟

ومن الذي أقنعنا أن ما يحدث "طبيعي"… وأن الأسئلة الكثيرة مجرد مبالغة؟

في الظاهر، تبدو الأمور مستقرة: ملاعب ممتلئة، جماهير حاضرة بقوة، أجواء مشتعلة بالحماس، فرق تتنافس، وأسماء تلمع، لكن تحت هذا السطح الذي يُشبه الصورة التي نحب أن نراها، هناك طبقات أخرى أقل وضوحاً… وأكثر تأثيراً.

هناك قرارات تُصنع في أماكن لا علاقة لها بالعشب، ثم تُنفذ فوقه.

هناك اختيارات لا تُفهم بمنطق الكرة، لكنها تصبح "واقعية" إذا فهمنا ما يدور خارجها.

هناك صمت طويل يسبق الإعلان… لأن ما سيُعلن ليس بداية القصة، بل نهايتها.

في كرتنا، لا شيء يحدث فجأة… نحن فقط لا نرى ما يسبق اللحظة.

كيف يمكن أن نفسر مدرباً يُمنح مشروعاً، ثم يُسحب منه بهدوء، وكأن المشروع لم يكن سوى مرحلة عابرة؟

كيف نفهم لاعباً يُدفع به بسرعة إلى الواجهة، ثم يُركن فجأة دون تفسير مقنع؟

كيف نقرأ صفقات تُبرم في صمت، ثم تتحول إلى عبء داخل الفريق بدل أن تكون إضافة؟

الجواب السهل دائماً جاهز: "إختيارات تقنية".

لكن، هل كل ما يُتخذ فعلاً تقني؟ أم أن التقنية أصبحت أحياناً مجرد كلمة تُستعمل لتجميل قرارات لها جذور أخرى؟

اللاعب المحلي… موهبة تُولد بسرعة وتُستهلك أسرع.

نحتفل بالبداية أكثر مما نفهمها.

نصنع من أول بروز قصة مكتملة… وننسى أن اللاعب ما يزال في طور التكوين.

نرفعه بسرعة… ثم نتركه يسقط وحده. المشكلة ليست أن المواهب قليلة… بل أن المسارات هشة.

ليست في القدم التي تلمع… بل في البيئة التي لا تحمي هذا اللمعان من الإنطفاء.

كم لاعباً بدأ موسماً كاكتشاف… وأنهاه كذكرى؟ كم إسماً صعد بسرعة لأنه وجد من يدفعه… لا من يؤطره؟

وكم موهبة تحولت إلى ضغط بدل أن تكون مشروعاً؟

اللاعب في بطولتنا لا يُبنى… بل يُستعمل.

يُستعمل لتحقيق نتيجة عاجلة، لإرضاء جمهور متعطش، لتغطية فراغ، أو لإثبات أن هناك "إختيارات ناجحة".

لكن من يبني اللاعب لما بعد اللحظة؟

من يحميه من الإفراط في التوقعات؟

من يرافقه حين تبدأ الصعوبات؟ حين يغيب البناء، يتحول النجاح إلى حادث… والسقوط إلى قاعدة.

الإحتراف الذي نتحدث عنه… هل نعيشه فعلاً أم نُمثّله؟

نملك كل مظاهر الإحتراف: عقود، أرقام، تجهيزات، تنقلات، حضور إعلامي قوي.

لكن الإحتراف ليس ما يظهر… بل ما يُدار في التفاصيل الصغيرة.

الإحتراف هو استقرار القرار… لا سرعته.

هو وضوح المشروع… لا تعدد الشعارات.

هو حماية المسار… لا استهلاكه.

كيف يمكن أن نطالب بالنتائج ونحن نغيّر الإتجاه كل فترة؟

كيف نُقيم عملاً ونحن لا نمنحه الوقت الكافي؟

كيف نُحاسب مدرباً على مشروع لم يكتمل… ولا حتى بدأ فعلياً؟

نريد أن نربح بسرعة… ونبني في نفس الوقت.

نريد الإستمرارية… دون أن نصبر عليها.

نرفع سقف الإنتظارات… ثم نُخفض سقف الدعم. وهنا يتولد التناقض:

بطولة تبدو قوية من الخارج… لكنها تبحث عن توازنها في الداخل.

فرق تملك الإمكانيات… لكنها لا تملك وضوح الطريق.

لاعبون يملكون الموهبة… لكنهم لا يجدون المسار الذي يحميها.

في النهاية، قد لا تكون الأزمة في الجمهور… لأنه حاضر ويؤمن.

ولا في اللاعب… لأنه موهوب ويقاتل.

ولا حتى في الإمكانيات… لأنها تتطور.

الأزمة الحقيقية… في تلك المنطقة التي لا نحب الإقتراب منها:

منطقة القرار، منطق التسيير، وطبيعة الإختيارات. لأن الكرة لا تُبنى فقط بما نراه…

بل بما يُقرَّر قبل أن نراه.

لافتة:

ليس أخطر ما في كرتنا ما يُقال… بل ما يُدار بصمت، لأن الصمت في بعض اللحظات لا يكون غياباً للكلام… بل حضوراً للحقيقة التي لا يريد أحد أن يواجهها.