هل أصبحت النتائج أهم من بناء المشروع الكروي؟ من الذي أقنعنا أن الفوز اليوم أهم من الغد؟ من الذي اختصر كرة القدم في لوحة نتائج تُعلَّق بعد كل مباراة، ثم تُنسى بعدها كل الأسئلة الثقيلة؟ من الذي جعلنا نحتفل بانتصار عابر، ونصمت عن مشروع غائب؟
ومن الذي قرر أن المدرب يُحاسَب على تسعين دقيقة… ولا يُسأل أحد عن سنوات من التخبط؟ هل نحن فعلاً نعيش تطورًا كرويًا حقيقيًا… أم أننا نعيش وهماً جميلاً اسمه “النتيجة”؟
كيف تحوّل الفوز من ثمرة مشروع إلى هدف في حد ذاته؟كيف صرنا نُقيل مدربًا لأنه تعادل، ونُصفّق لآخر لأنه فاز… دون أن نسأل: ماذا يُبنى داخل الفريق؟ ماذا يتطور؟ ماذا يتغير؟ومن يملك الجرأة ليعترف أن بعض الانتصارات تخفي ضعفًا أكبر… وأن بعض الهزائم قد تكون بداية طريق صحيح؟
في كرتنا، لم يعد السؤال: كيف نلعب؟
بل: هل فزنا؟
لم يعد النقاش يدور حول الأسلوب، ولا حول هوية الفريق، ولا حول تطور اللاعبين، بل حول رقم يُكتب في نهاية المباراة. ثلاثة نقاط تعني النجاح، ونقطة تعني أزمة، وصفر يعني نهاية العالم. هكذا ببساطة… وهكذا بسطحية.
لكن كرة القدم، في جوهرها، ليست مجرد نتيجة. هي مسار. هي فكرة. هي عمل يتراكم بصمت قبل أن يظهر في العلن. الفريق الذي يُبنى على مشروع، قد يتعثر، قد يخسر، لكنه يعرف إلى أين يسير. أما الفريق الذي يعيش على النتيجة فقط، فهو يشبه من يركض بلا اتجاه… قد يصل أحيانًا، لكنه لا يعرف لماذا وصل.
كم من فريق في بطولتنا فاز… ثم اختفى؟
كم من مدرب حقق نتائج جيدة… ثم سقط لأنه لم يكن يملك مشروعًا؟
وكم من إدارة فضّلت الحل السريع… على البناء الطويل؟
المشكلة ليست في البحث عن الفوز. الفوز حق مشروع، بل هو جزء من اللعبة. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول إلى معيار وحيد. حين نختزل العمل كله في نتيجة مباراة، وننسى أن الفريق الذي لا يُبنى اليوم، سيدفع الثمن غدًا.
انظروا إلى بعض الأندية التي تغيّر مدربيها كل بضعة أشهر. كل مرة يأتي مدرب جديد، يبدأ من الصفر، يطلب لاعبين جدد، يغيّر الطريقة، ثم يُغادر قبل أن يكتمل أي شيء. النتيجة؟ لا استقرار، لا هوية، لا مشروع. فقط دوّامة لا تنتهي.
وفي المقابل، هناك نماذج أخرى، قليلة لكنها موجودة، اختارت الصبر. منحت الوقت، قبلت التعثر، لكنها كانت تعرف ما تريد. هذه الفرق، حتى في خسارتها، كانت تُقنع. لأنك ترى العمل، ترى الفكرة، ترى الطريق.
الجمهور، بدوره، أصبح جزءًا من هذه المعادلة المعقدة. يريد الفوز، وهذا حقه. لكنه أحيانًا يضغط في الاتجاه الخطأ. يطالب بالإقالة بعد تعثر، ويحتفل بانتصار دون أن يسأل عن مضمونه. والإعلام؟ كثير منه أصبح يلهث وراء النتيجة، يضخمها، يختزل كل شيء فيها، وكأن كرة القدم لا تُلعب إلا على الورق. فمن المسؤول إذن؟
هل هو المدرب الذي يُجبر على التفكير في المباراة القادمة فقط؟
أم الإدارة التي تبحث عن حل سريع يُرضي الجميع؟ أم الجمهور الذي لم يعد يملك صبر الانتظار؟ أم إعلام اختار السهولة بدل العمق؟
الحقيقة أن المسؤولية مشتركة. لكن الاعتراف بها يحتاج شجاعة. لأننا تعودنا أن نُخفي مشاكلنا خلف نتائج مؤقتة. نربح فنصمت، نخسر فنصرخ، لكننا نادرًا ما نفكر.
كرة القدم المغربية اليوم تقف عند مفترق طرق. إما أن تختار طريق المشروع، بكل ما يتطلبه من صبر وتخطيط ووضوح، وإما أن تستمر في مطاردة نتائج سريعة… تدفع ثمنها غدًا.
ليس كل فوز نجاحًا.
وليس كل خسارة فشلًا.
النجاح الحقيقي هو أن تعرف ماذا تبني، ولماذا تبنيه، وكيف ستحافظ عليه.
أما أن نربح اليوم ونضيع غدًا…
فذلك ليس انتصارًا.
ذلك تأجيل للهزيمة.
لافتة:
النتيجة تُفرح… لكنها لا تُؤسس، والمشروع قد يتأخر… لكنه وحده يصنع الاستمرار. بين فرحة عابرة وبناء حقيقي، تختار كرتنا اليوم ملامح غدها.
إضافة تعليق جديد