كيف يمكن لفريق أن يغيّر مدربين كل موسم… ولا يتغيّر شيء؟ كيف تُصرف الملايير على الانتدابات… ثم ينتهي الموسم بنفس الأعذار القديمة؟ كيف يُقدَّم المدرب دائمًا كواجهة للفشل… بينما تبقى القرارات الحقيقية بعيدة عن أي مساءلة؟ كيف تقنع جماهيرًا غاضبة بأن الخلل تقني فقط… وهي ترى نفس الأخطاء تتكرر في التسيير، في الاختيارات، في الصمت؟ أي منطق هذا الذي يجعل النتيجة تُحاكم اللاعب… وتُعفي الإدارة؟ وأي عدالة تسمح بتدوير الفشل داخل المكاتب… وكأن لا أحد مسؤول عما يحدث؟
في بطولتنا، اعتدنا أن تبدأ الحكاية دائمًا من أسهل باب: المدرب. تعثر واحد، تعادلان، هزيمة ثقيلة… فيُفتح باب الرحيل بسرعة، ويُقدَّم القرار كأنه إنقاذ للموسم. الجماهير تهدأ قليلًا، الإعلام يجد مادة جاهزة، والإدارة تُربح وقتًا ثمينًا… لكن ماذا يتغير فعلًا؟ المدرب يرحل، والأسباب تبقى. لأن الخلل أعمق، يمتد إلى طريقة التفكير، إلى غياب الرؤية، إلى إدارة تشتغل بمنطق رد الفعل لا بمنطق البناء.
المشكل لا يكمن في قرار الإقالة بحد ذاته، بل في ما يخفيه. في كثير من الحالات، يكون المدرب الحلقة الأضعف داخل منظومة تفتقد للتخطيط. انتدابات تُحسم في آخر لحظة، أسماء تُختار بمنطق العلاقات أو الضغط، مشروع غائب أو مؤجل، ثم يُطلب من مدرب أن يصنع التوازن في ظرف أسابيع. وإذا فشل، يُقال إنه لم يُقنع… وكأن الإقناع يمكن أن يولد في فراغ.
الإدارة التي لا تُحاسَب، تتعوّد على تكرار نفس الأخطاء. تُعيد نفس السيناريو كل موسم: وعود كبيرة في البداية، تعاقدات تُقدَّم كصفقات نوعية، تصريحات عن المنافسة على الألقاب، ثم يبدأ التراجع، وتظهر الأعذار، ويُبحث عن كبش فداء. لا أحد يسأل: لماذا تم اختيار هذا اللاعب؟ لماذا تغيّر هذا المسار؟ لماذا لم يصمد المشروع؟ لأن السؤال نفسه غير مرحّب به داخل منظومة اعتادت أن تُخفي ضعفها خلف ضجيج النتائج.
الأخطر أن هذا الغياب للمحاسبة يُنتج ثقافة كاملة. اللاعب يشعر بأن الاستقرار غير موجود، فيتراجع عطاؤه أو يبحث عن مخرج. المدرب يدخل وهو يعلم أن الوقت محدود، فيفكر في النجاة لا في البناء. والجمهور، رغم وعيه، يُدفع نحو ردود فعل سريعة، يُطالب بالتغيير الفوري لأنه فقد الثقة في التراكم. هكذا تتحول البطولة إلى دوامة: تغييرات مستمرة، نتائج متقلبة، وأندية تبحث عن نفسها دون أن تجدها.​
هناك نماذج قليلة حاولت كسر هذه القاعدة، منحت الوقت، تحمّلت الضغط، واشتغلت بصمت. لم تكن مثالية، لكنها كانت واضحة. وعندما تخسر، تعرف لماذا خسرت. وعندما تربح، تدرك أن ذلك نتيجة عمل. الفرق بين هذه النماذج وغيرها ليس في الإمكانيات فقط، بل في الجرأة على تحمل المسؤولية، في القدرة على الاعتراف بالخطأ، في الإيمان بأن المشروع لا يُبنى بقرار واحد، بل بسلسلة من القرارات المنسجمة.
السؤال الحقيقي ليس تقنيًا… بل أخلاقي قبل كل شيء. من يملك الشجاعة ليقول إن الإدارة أخطأت؟ من يقبل أن يُوضع تحت نفس المجهر الذي يوضع تحته المدرب واللاعب؟ لأن كرة القدم لا يمكن أن تتطور في بيئة تُحاسِب الواجهة وتُعفي العمق. لا يمكن أن نطلب نتائج مختلفة… بنفس طريقة التسيير.
البطولة الوطنية اليوم أمام اختبار صريح. إما أن تُعيد ترتيب أولوياتها، وتضع المحاسبة في مكانها الطبيعي، أو تستمر في نفس الدائرة، حيث يتغير كل شيء… حتى يبقى كل شيء كما هو.
ـ لافتة: 
الفشل الذي لا يجد من يحاسبه… لا يختفي، بل يتحول إلى نظام.