يتجاوز تفاعل التونسي حاتم الطرابلسي، المدافع السابق لكل من أياكس أمستردام ومانشستر سيتي، والمحلل في شبكة "بين سبور" منذ سنوات، بمناسبة قرار لجنة الاستئناف التابعة للكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم، مجرد تعليق رياضي عابر. إذ تكشف مداخلته، التي لاقت انتشارًا واسعًا على وسائل التواصل الاجتماعي، عن توترات سردية وتباينات في التصورات، فضلًا عن رهانات رمزية تحيط اليوم بنجاحات كرة القدم المغربية على الساحة القارية.

في تصريحه، يسلّط الطرابلسي الضوء على ظاهرة كلاسيكية في المنافسات الإفريقية تحت مظلة الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم، وهي الشك والتشكيك. فمهما كانت نتيجة المباراة، بدا أن فوز المغرب محكوم عليه مسبقًا بالطعن. لو سجل ابراهيم دياز، لاعتبر البعض ذلك خطأ تحكيميًا؛ ولو جاء الفوز المغربي عريضًا، لوُصف بأنه «مسرحية»؛ أما وقد تحقق بقرار تنظيمي بعد انسحاب الخصم، فقد تحول إلى «دليل على الفساد».

هذه القراءة النقدية لا تستند فقط إلى وقائع، بل تعكس حالة من انعدام الثقة البنيوي في المؤسسات الرياضية الإفريقية وطرق تدبيرها. إنها ممارسة يومية لدى كثيرين في القارة: لا يُقبل شيء دون شك أو اتهام بالفساد، حتى الاستحقاقات السياسية لا تسلم من ذلك.

تكشف هذه الجدل في الواقع عن انقسامات سردية تولدها أي قرارات، حتى وإن كانت عادلة. فمنذ عقد من الزمن، فرض المغرب نفسه فاعلًا محوريًا في كرة القدم الإفريقية، عبر استثمارات كبيرة في البنيات التحتية، والتكوين، والدبلوماسية الرياضية. وقد جاءت النتائج معبّرة:

- بلوغ نصف نهائي تاريخي في كأس العالم 2022

- تحقيق ألقاب متعددة في فئات الشباب

- تنظيم متواصل لمنافسات إفريقية

- تزايد جاذبية المنتخب للاعبين مزدوجي الجنسية، على غرار ابراهيم دياز وآخرين.

لقد قام المغرب بذلك من أجل نفسه، مع اعتقاد – ربما بسذاجة – بإمكانية إفادة القارة ككل. لكن، هل كانت القارة ترغب فعلًا في ذلك؟

تندرج هذه الدينامية ضمن استراتيجية أوسع للقوة الناعمة، حيث تتحول الرياضة إلى أداة تأثير إقليمي ودولي. غير أن صعود المغرب كقوة كروية إفريقية بات يزعج البعض، إذ يثير نجاحه مشاعر الغيرة والاعتراض.

تُبرز مداخلة الطرابلسي حقيقة ملاحظة: النجاح يولّد الاعتراض. ففي فضاء كروي إفريقي طالما هيمنت عليه توازنات بين مصر والكاميرون ونيجيريا والسنغال، جاء بروز مغرب منظم وفعّال ليُقابل بنوع من المقاومة.

المنتخب المغربي يجسد نمطًا جديدًا من الهيمنة، قائمًا على الموهبة والانضباط التنظيمي، وهو تحول يعكس المسار العام للبلاد. وهذا ما يغذي خطاب الشك، خصوصًا عندما تبدو بعض القرارات التحكيمية أو الإدارية في صالحه، سواء عن حق أو عن غير حق.

في العمق، تعكس هذه الجدل إشكالية أعمق تتعلق بمصداقية الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم. فالاتهامات المتكررة بالمحاباة و«الكواليس» والغموض في الحوكمة لا تستهدف المغرب وحده، بل تمس المنظومة ككل. وهو خطاب تروّجه بعض الأطراف التي لم يحالفها النجاح، فيجد أرضية خصبة للانتشار في سياق إفريقي يميل أحيانًا إلى تبني منطق الضحية.

في هذا السياق، تصبح كل القرارات محل جدل، تضخّمها وسائل التواصل الاجتماعي، ووسائل الإعلام، وتصريحات حكومات أو اتحادات أو حتى أطراف تبحث عن الظهور. ويتحول الإحساس المتكرر بالمظلومية إلى عدسة يُنظر من خلالها إلى كل حدث.

تصريحات الطرابلسي لا تختزل في دعم المغرب – وهو في غنى عن ذلك – بقدر ما تكشف عن صراع سرديات في كرة القدم الإفريقية المعاصرة: بين الاستحقاق الرياضي والشكوك السياسية، وبين الفخر الوطني والتوازنات الإقليمية.

المغرب، كقوة صاعدة، يجد نفسه في قلب هذه التوترات. وكما هو الحال في تاريخ الرياضة، فإن النجاح لا يُقاس فقط بالألقاب، بل أيضًا بالقدرة على فرض رواية مشروعة.

التحدي الحقيقي لكرة القدم الإفريقية ليس تحديد الفائز، بل استعادة الثقة الجماعية في قواعد اللعبة. فخلف المباريات، تدور معركة سرديات، تكون فيها مصداقية المؤسسات هي العقدة الأساسية.

وتبقى سوء النية لدى البعض واضحة، في محاولات مكشوفة للإضرار بعلاقات بين شعوب شقيقة، عبر حملات إعلامية تستغل ضعف السردية الوطنية المغربية، لا من حيث المضمون، بل من حيث حسن النية في مواجهة حملات التشويه. غير أن التجارب الحديثة تؤكد أن الواقع مغاير.

من هنا، يمكن فهم تصريحات الطرابلسي باعتبارها دعوة إلى بناء سردية وطنية مغربية من الداخل، بدل تركها عرضة لتأويلات خارجية قد تكون مشحونة بالعداء والتشكيك.

اليوم، يتقدم المغرب على محيطه القريب، وهو ما يثير حفيظة البعض. أما كأس إفريقيا للأمم 2025، فسرعان ما ستُطوى صفحتها، لتُختزل في نجمة ثانية مستحقة على القميص المغربي، ودليل على عودة الكونفدرالية الإفريقية إلى تطبيق قوانينها.