في هذا البورتري الذي خطّه الإعلامي والسيناريست أحمد بوعروة المنشور بصحيفة " الأحداث المغربية " الموجودة حاليا بالأكشاك يقربنا  من المسار المهني الحافل للصحافي الرياضي الزميل بدر الدين الإدريسي رئيس تحرير جريدة " المنتخب" أحد الأسماء التي بصمت المشهد الإعلامي الرياضي المغربي والعربي  بعطاء متواصل ورؤية متفردة. 

بأسلوب يجمع بين السرد العميق واللمسة الإنسانية، حيث يستعرض الأستاذ أحمد بوعروة محطات بارزة من رحلة الزميل  الإدريسي، منذ بداياته الأولى وشغفه المبكر بالرياضة، وصولاً إلى تحوله لواحد من أبرز الأقلام التي واكبت تحولات الكرة الوطنية وواكبت نبض الجماهير. إنها قراءة في تجربة إعلامية غنية، تُبرز التحديات والنجاحات، وتكشف عن شخصية صنعت لنفسها مكانة خاصة في عالم الصحافة الرياضية.
يقول الزميل الأستاذ أحمد بوعروة في وجوه وحكايات : 

كيف يستطيع رجلٌ أن يظل وفيًّا للمهنة، في زمنٍ صارت فيه الأصوات أعلى من المعنى؟

كيف يمكن لاسمٍ صحفي أن يتحول، عبر السنوات، إلى جزء من ذاكرة الرياضة المغربية، لا يمرّ على الإنجازات مرور العابر، بل يرافقها، يقرأها، ويمنحها عمقها الإنساني والمهني؟

كيف يحافظ مهني حقيقي على هيبة الكلمة، وسط ضجيج التحليلات السريعة والانفعالات العابرة؟

وهل يكفي أن تكون قريبًا من الحدث لتفهمه، أم أن فهمه يحتاج إلى ذاكرة لاعب، وحسّ صحفي، وضمير مهني لا يساوم؟

كل هذه الأسئلة تفتح باب الحديث عن اسمٍ لا يمكن المرور عليه بخفة: بدر الدين الإدريسي.

بالنسبة إليّ، لا يتعلق الأمر فقط بصحفي رياضي كبير، بل بمهني حقيقي أكنّ له كل التقدير والاحترام، رجل واكب بحسّ عالٍ من المسؤولية والوعي كل الإنجازات الرياضية التي عرفها المغرب، من تألق المنتخبات الوطنية إلى المحطات القارية والعالمية التي صنعت أفراح المغاربة.

ما يجعل هذا التقدير أكثر عمقًا، أن بيننا خيطًا إنسانيًا ومهنيًا يشبه الاعتراف الصامت بجمال المسار.

هو حمل قفازات الحراسة لاعبًا في جمعية سلا، وأنا عشتُ بدوري شغف الكرة لاعبًا في اتفاق عين الشق، ثم في أمل الرجاء الرياضي في عهد الروبيو، وبعده عبد الله الزهر، قبل أن أواصل أكثر من تسع سنوات مع فريق البريد.

ربما لهذا أشعر، كلما قرأت له أو تابعته، أن الرجل لا يتحدث عن الكرة من خارجها.

إنه يكتبها من الداخل.

من نبض الملعب.

من ذاكرة العشب.

من توتر غرفة الملابس.

من ذلك الإحساس الذي لا يعرفه إلا من عاش ضغط المباريات، وسمع صدى الجماهير، وتذوق مرارة الهزيمة وحلاوة الانتصار.

ذلك ما يمنح كتابته عمقها.

هي ليست مجرد قراءة تقنية.

بل كتابة تنطلق من روح اللعبة.

منذ بداياته المبكرة داخل القسم الرياضي لصحيفة الميثاق الوطني، وهو في سن الخامسة عشرة، كان واضحًا أن الاسم القادم يحمل مشروعًا مهنيًا لا يرضى بالسطح.

ثم جاءت محطة «الميثاق الرياضي»، لتؤكد أن الرجل لم يكن مجرد مشارك، بل مساهم في صناعة تجربة صحفية رياضية حقيقية.

بعدها، امتد المسار إلى قطر عبر مجلة «الصقر»، قبل أن يرتبط اسمه، في ذاكرة المغاربة، بجريدة جريدة المنتخب، التي صار أحد أعمدتها وواحدًا من أبرز الأصوات التي صنعت هيبة الصحافة الرياضية الوطنية.

في زمن صارت فيه التحليلات كثيرة، لكن المعنى قليل، ظل بدر الدين الإدريسي صوتًا مختلفًا.

صوتًا يقرأ ما وراء النتيجة.

ويفهم ما وراء العنوان.

ويمنح الإنجاز الرياضي بعده الوطني.

لم يكن يكتب فقط عن مباراة.

كان يكتب عن صورة وطن.

عن حلم شعب.

عن لحظة تصنع ذاكرة.

لقد واكب الرجل، بمهنيته المعروفة، محطات كبرى في تاريخ الرياضة المغربية والعالمية، من كأس العالم 1994 إلى الألعاب الأولمبية باريس 2024، مرورًا بدورات كأس الأمم الإفريقية ومحطات عربية ودولية عديدة.

وفي كل تلك المسارات، ظلّ الاسم محافظًا على نفس الهدوء المهني، ونفس العمق التحليلي، ونفس الإيمان بأن الصحافة الرياضية ليست صراخًا، بل مسؤولية.

بالنسبة إليّ، وأنا الذي عبرتُ من الملاعب إلى الإعلام والكتابة، أرى في مساره شيئًا يشبه الوفاء للمسار.

نفس الشغف الذي بدأ بالكرة، استمر بالكلمة.

نفس الحب للعبة، تحول إلى حب للمهنة.

وهذا ما يجعل الحديث عنه ليس مجرد تقديم اسم، بل استحضار قامة مهنية تستحق كل التقدير.

لافتة: ليس كل من كتب عن الرياضة صحفيًا، ولا كل من حلّل مباراةً شاهدًا على زمنها؛ فبعض الرجال يصيرون ذاكرةً تمشي، يحرسون الإنجاز بالكلمة كما يُحرس المرمى باليقظة، ويتركون في المهنة أثرًا لا يمحوه الزمن، وبدر الدين الإدريسي واحدٌ من هؤلاء الذين جعلوا من الحبر عشبًا آخر، ومن الكلمة مباراةً مفتوحة على شغف الوطن، لا تنتهي صافرتها إلا لتبدأ في ذاكرة الأجيال من جديد، وتظلّ نابضةً كلما دوّى في الملاعب صدى انتصارٍ مغربي جديد.