ناري الديربي مخدوم؟

أمكنني عبر مساحات الإستماع أثيريا إلى ردات فعل الجماهير المتابع للديربي الخامس عشر بعد المائة بين الغريمين الرجاء والوداد أن أستمع مجددا إلى أسطوانة ما فتئت تتكرر كلما إستبد بالجماهير شعور بأن الديربي أخلف وعوده وطمس الإثارة المبحوث عنها، وهي أن الفريقين معا قد يكونا متواطئين في نتيجة التعادل التي رمت حتى الآن بمعطفها على ثلثي مباريات الديربي.

وللأمانة أعترف أنني منذ أن إرتبطت بالصحافة قبل خمس وثلاثين سنة شعرت بما يشبه العجز الكلي، الفكري قبل الرياضي عن إيجاد مبرر واحد يقنعني بأن نتائج الديربي تطبخ عن بعد بقصدية مبيتة لتخليص المشهد الرياضي للدار البيضاء من فتيل التعصب ومن جمرات الغضب التي يمكن أن تهدد أمن المدينة بكاملها، وقد كنت وما زلت أقف متصلبا غير مستعد حتى لمناقشة هذه الفرضيات التي يقدمها البعض في صورة حتميات، فما كان لي من معرفة مسبقة بأجواء الديربي وبطقوسه المختلفة إختلافا كليا عما عداها من طقوس، وما كان لي من إحتكاك بمن حضروا الكثير من الديربيات لا يقنعني بما يجزم به الغير من أن نتيجة الديربي تبرمج عن بعد ومن أن كل المباريات التي نشهدها هي مسرحيات محبوكة سلفا ويتم إخراجها بشكل يبعث على الإستهجان وتستبلد أولائك الملدوغين بحب الكرة والذين يقفون بالملايين على بابها.

قد نتفق على أن مباريات الديربي بحمولاتها الفنية وبمضمونها التكتيكي وبوعاء الفرجة الممنوحة للآلاف من الجماهير لا تستجيب للحد الأدنى من الإنتظارات، وبأن حالة التهيب النفسي من الخسارة تصل مستوى متقدما إلى الحد الذي يجعلها تغتال كل حافز لتحقيق الفوز، هو ما يجعل مباريات الديربي تتوالى ولا تختلف في المبنى الفني، وقد نقول بأن غياب القدرة على تلجيم الوازع النفسي ومطاردة الضغط إضافة إلى ضعف المتخيل التكتيكي لدى اللاعبين لهشاشة التكوين يساعد للأسف على استنساخ الشكل الفني القبيح الذي لا يرضى عنه أحد بل ويعطي للاسف الإنطباع على أن الفريقين معا يتهيآن سلفا لنتيجة التعادل.

والذين يستطيعون الإبحار بالذاكرة إلى عقود خلت يمكنهم وإن إستحضروا صورا فنية راقية ومؤدي تكتيكيا أكثر خصوبة مما عليه الأمر اليوم، صور هي من صميم التربة الفنية الجيدة التي كانت عليها كرة القدم وقتذاك، هؤلاء يمكنهم أن يشهدوا بأن الديربي كان متهما بحبك نتيجة التعادل عن سبق إصرار لما قيل أنها إعتبارات أمنية تستدعى في المقام الأول سلامة الوطن التي هي أكبر من نتيجة مباراة بين غريمين لا يقبل الواحد منهما الخسارة على نفسه كلما كان في مواجهة الآخر.

لا خلاف على أن اللاعبين بهشاشة تكوينهم لا يمكنهم برغم ما يقال، أن يتخلصوا من الضغط الرهيب الذي يمارسه عليهم الديربي، فما أكثر المدربين الذين تعاقبوا على الوداد والرجاء ولا أنكر أن منهم من كان عارفا بأصول علم النفس الرياضي وبأساليب سيكولجية ناجعة لمقاومة إعصار الضغط، إلا أن المعضلة الكبيرة تبقى في البنية الفكرية والنفسية والتكتيكية وفي المؤهل التقني لهؤلاء اللاعبين الذين لا يملك جلهم القدرة على التمرد على الأوضاع النفسية وحتى على الأنماط التكتيكية الصارمة التي يضعها المدربون الذين إن سلمت مباريات الديربي من هزيمتهم سلموا من مقصلة الإقالة، لذلك أجزم بأن ما يعتبره البعض تواطؤا من لاعبي الفريقين لضبط موجة الديربي على نتيجة التعادل، هو تحصيل لحاصل معروف سلفا، هو أن لاعبي اليوم لا يملكون أصلا متخيلا فنيا كبيرا ولا يملكون جرأة على المبادرة ولا يستطيعون بالقطع نتيجة لتكوين تقني وتكتيكي متجاوز أن يكسروا الطوق الذي يفرضه المدربون.

لذلك كله لا نستغرب أن تأتي الديربيات نسخا كربونية مطابقة لأصل الضعف التقني وتحث الكثيرين منا هربا من الحقيقة الصادمة على القول بأن الديربي مخدوم إلى أجل معلوم.