كان لابد وأن ننتبه في غمرة انشغالنا بالتنزيل التدريجي للمشروع الإحترافي في الزمن المنظور، إلى أن الغائب الكبير في منظومة الإشتغال هو ورش التكوين، ما يتعلق طبعا بتكوين اللاعبين.
ليس القصد أن لا وجود أصلا لمنظومة تكوين داخل نوادينا، وإلا فمن أين يأتي كل هؤلاء اللاعبون الذين تتفاوت درجات إبداعهم وطموحهم وحتى سقف أحلامهم بحسب تفاوت درجات تكوينهم؟ ولكن القصد أن الأندية ظلت لزمن طويل متثائبة، إلى درجة الإهمال، في إطلاق مراكز للتكوين تبتغي تأطيرا يتطابق شكلا ومضمونا مع الأنماط المستحدثة عالميا، والتي بفضلها تمكنت دول من بلوغ الصدارة عالميا.
كانت «النوستالجيا» غالبا ما تأخذنا ونحن نتحدث عن أزمة كبيرة في جودة ما تنتجه الأندية من لاعبين، إلى ما كان واقعا وحقيقة في عقود خلت، عندما كانت الأندية بإمكانات لوجيستية ومادية محدودة تنتج عشرات اللاعبين الموهوبين والذين تأقلم كثير منهم مع بيئات احترافية معقدة، وكنا بكل موضوعية نأتي إلى الخلاصات الموجعة والمفجعة، والتي منها أن الأندية من فرط تهافتها على النتائج السريعة والآنية وسابقها الشرس لتلميع الصورة، أهملت التكوين، ليس بأنها أعدمته ولكن بأنها لم تتجاوب مع روح العصر، بالذهاب رأسا إلى إنشاء مراكز للتكوين وأكاديميات، وإنفاق ما يعتبر استثمارا في الرأسمال البشري.
عند حديثي مع رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم المنشغل دوما بالمستقبل القريب للكرة المغربية، وبما يضغط عليها من رهانات وأوراش لا تحتمل التأجيل، قال لي: «الموسم الكروي الذي نحن اليوم بصدده، سيكون موسما للعمل في ورشين في غاية الإستراتيجية، ورش كرة القدم النسوية وورش مراكز التكوين».
والحقيقة أن ما هو مطلوب اليوم من الأندية بخاصة تلك التي تنتمي للفصيل الإحترافي، بموجب القانون المعبر عنه ضمنيا في دفتر التحملات، أن تتوفر على مراكز للتكوين لا يطلب منها أن تكون فارهة وفخمة، ولكن ما يطلب منها أن تحقق الحد الأدنى من شروط جودة الإنتاج، وفي مقدمة هذه الشروط التوفر على تأطير تقني عالي المستوى ومقدر ماديا التقدير الذي يستحقه من رؤساء الأندية.
ولعل دعوة رؤساء وممثلي الأندية إلى الاجتماع أول أمس السبت في إطار لقاء تواصلي مع الإدارة التقنية الوطنية، ومع الناخب الوطني وحيد خاليلودزيتش، كانت الغاية منه وضع المدخل الأساسي لبداية العمل في ورش التكوين، بحيث يخضع هذا التكوين خضوعا كاملا للمنظومة التي اهتدت لها الإدارة التقنية الوطنية، والتي تعتمد بالأساس على رافعتين، رافعة أولى تتعلق باستجابة هذا التكوين القاعدي لمتطلبات كرة القدم الحديثة، ورافعة ثانية تهدف إلى أن يحتفظ هذا التكوين على الحمض النووي لكرة القدم المغربية، على المهارات المكتسبة والتي هي من الخصوصيات المغربية، ونهاية المسلسل هو أن يرتفع المنتوج الكروي داخل مراكز التكوين كما وكيفا للمستويات التي تحقق للأندية الإكتفاء بل وأن يمكنها من الإستثمار في عنصرها البشري لوقف ما تعيشه هذه الأندية اليوم من هدر.
الجميل أن السيد فوزي لقجع وهو يتعمق في سرد لزوميات الدخول رأسا في عهد التكوين القاعدي العلمي والممنهج، وجدته يعقد مقارنة لا تخلو من طرافة، «ما يحدث اليوم في الميركاطو الصيفي أو الشتوي، أن كل الأندية تتصارع على صندوق واحد من الطماطم، فيتسبب جشعها وسباقها الضاري المعلن والمستتر، في رفع قيمة الطماطم عشرات الأضعاف، والحال أنها لو توجهت رأسا لرفع مستويات الإشتغال داخل مراكز التكوين لرفعت نسبة الإنتاج، ولأنتجت عشرة صناديق من الطماطم وكفت نفسها شر الإقتتال، هذا ما يجب أن نشتغل عليه اليوم وليس غدا».
فوق أن إحداث مراكز للتكوين هو تطابق مع روح القانونن وخطوة لابد منها لتحقيق جزء مهم من منقولات الجمعية الرياضية إلى الشركة الرياضية، فإن هذه المراكز بمنظومة التكوين المقترحة عليها، ستكون بمثابة الكنز الحقيقي الذي غفلت عنه أنديتنا زمنا طويلا.