منذ أسابيع، ما تزال قرارات الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم، عبر لجنة الاستئناف التابعة لها، والقاضية بتثبيت خسارة السنغال اعتبارياً وإعلان المغرب فائزاً رسمياً، محل تمحيص وتحليل ونقاش واسع، بل وإعادة قراءة أحياناً وفق زوايا نظر متباينة وحساسيات مختلفة. أكثر الأصوات اعتراضاً تتمسك بمبدأ ترفعه إلى مرتبة القداسة: مباراة كرة القدم يجب أن تُحسم فوق أرضية الميدان، لا داخل المكاتب المكيفة.

هذا صحيح… لكن القاعدة تسقط عند اللحظة التي تُخرق فيها القواعد الأساسية للعبة، وتُداس ضوابطها التنظيمية.

قد يبدو هذا الطرح نبيلاً في ظاهره، غير أنه يتجاهل حقيقة جوهرية: لولا القوانين، ولولا العقوبات، ولولا الهيئات المخول لها تطبيقها، لتحولت كرة القدم سريعاً إلى ساحة مفتوحة يعيد فيها كل طرف صياغة القواعد وفق هواه، وربما بين شوطي المباراة.

في العمق، هذا الجدل لا يكشف فقط عن خلاف حول مباراة بعينها، بقدر ما يعكس صعوبة تقبل فكرة أن صافرة النهاية في كرة القدم، كما في الحياة، قد تُطلق أحياناً خارج المستطيل الأخضر. فحجة “النتيجة التي تُحسم في الميدان”، رغم جاذبيتها العاطفية، تصطدم بحقيقة لا يمكن تجاوزها: كرة القدم ليست مجرد لعبة، بل منظومة قانونية كونية. ومن دون قواعد، لا منافسة عادلة، ولا تكافؤ فرص، ولا شرعية، ولا حتى معنى عالمي موحد للعبة.

وفي هذا السياق تحديداً، جاءت التعديلات الأخيرة التي أقرها المجلس الدولي لكرة القدم The International Football Association Board لتسلط الضوء بوضوح على هذا التوتر القائم بين المثال الرياضي والانضباط القانوني.

وللتذكير، فإن هذا المجلس الدولي، هو الجهة المخولة بوضع قوانين اللعبة بشكل مستقل نسبياً عن الفيفا، وهو إرث تاريخي منح كرة القدم قدراً كبيراً من الموضوعية والحياد في صياغة قواعدها. ومع إدخال تعديلات جديدة على قوانين اللعبة، قدمت الهيئة توضيحاً بالغ الأهمية: أي لاعب يغادر أرضية الملعب احتجاجاً، يعرض نفسه للطرد المباشر، وأي فريق يتسبب في إيقاف المباراة أو الانسحاب منها، سيُعتبر منهزماً بحكم القانون.

• إنها الرسالة الواضحة: لن يتكرر ما حدث في الرباط مرة أخرى.

هذه النقطة مفصلية، لأنها لا ترتبط بتأويل أو اجتهاد، بل بإرادة صريحة لتعزيز سلطة الحكم وصون نزاهة المنافسات، عبر احترام أكثر صرامة لقوانين اللعب ولوائح المسابقات. وبعبارة أخرى، فإن السلوك الذي طبع تلك المباراة النهائية المثيرة للجدل لم يعد مجرد تصرف مؤسف من الناحية الأخلاقية، بل أصبح اليوم فعلاً مؤطراً قانونياً وخاضعاً لعقوبات واضحة وصريحة.

وهنا يتغير جوهر النقاش بالكامل. فقد يكون من المشروع مناقشة مدى وجاهة قرار سابق، لكن يصبح من الصعب تجاهل أن روح القانون الكروي تسير اليوم في الاتجاه نفسه الذي تبناه الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، والذي يجد دعماً صريحاً من الجهة التي تصوغ قوانين اللعبة، وبالتالي من الفيفا نفسها بشكل غير مباشر.

ومن هنا يبرز سؤال مشروع: لماذا يختار بعض المحللين تسليط الضوء على تفاصيل ثانوية في القوانين الجديدة، مثل منع اللاعبين من تغطية أفواههم أثناء الاحتجاج أو النقاش داخل الملعب، بينما يتجاهلون البنود الجوهرية المتعلقة بالانسحاب من المباراة؟ ألم ينتبهوا إلى أن التغيير الأهم في عالم كرة القدم اليوم يكمن تحديداً في هذا الجانب؟

هذا الانتقاء في الطرح يثير علامات استفهام، إذ يوحي أحياناً بأن الهدف ليس تقديم صورة كاملة، بقدر ما هو محاولة للإبقاء على خطاب تآكلت حججه بفعل تطور الإطار القانوني للعبة. أما تجاهل هذه المعطيات الجديدة، فقد يضع أصحاب هذا الخطاب في دائرة الاتهام بالتحيز، أو بصناعة سردية موجهة تخدم موقفاً بعينه.

الأجدى اليوم هو الاعتراف بأن كرة القدم الحديثة لا يمكن أن تستمر من دون انضباط جماعي صارم. فالرومانسية المرتبطة بشعار “الميدان وحده يحسم” لا يمكن أن تبرر سلوكيات تمس بهيبة الحكم وتهدد النظام التنافسي نفسه.

من هذا المنظور، تبدو قرارات الكاف اليوم، أقل غرابة وأكثر انسجاماً مع مسار تطور طبيعي في المنظومة القانونية لكرة القدم العالمية؛ تطور قد يبدو صارماً، لكنه منسجم مع منطق اللعبة الحديثة.

فالجدل الذي رافق نهائي كأس إفريقيا للأمم، تجاوز حدود مباراة واحدة، ليكشف عن صراع بين رؤيتين: رؤية عاطفية، سردية، تتشبث بفكرة اللعب مهما كانت الوسائل؛ وأخرى مؤسساتية قانونية، تدرك أن اللعبة من دون احترام صارم للقواعد تفقد معناها وقيمتها.

وفي هذا الصدام، يبدو أن قانون اللعبة قد حسم سباقه… وتقدم بخطوة لا رجعة فيها.

من الآن فصاعداً، لن يعود التهديد بمغادرة الملعب ورقة ضغط للتأثير على قرارات الحكم. ومن الآن فصاعداً، سيعلو القانون فوق كل اعتبار… في كل الظروف، ودون استثناء.