هل كنا يوما ضد وحيد خليلودزيتش؟ نظلمه ولا نعدله، نقصفه ولا نرحمه، نقسو ولا نحن عليه، نعنفه لفظيا ولا نأخذ بيديه..
لا وألف لا، فما جبلنا عليه بوحي من مهنيتنا كانت لنا دائما الرأسمال وزاد السفر، أن نكون مع فريقنا الوطني في أحلك الظروف وليس فقط في أجملها وأبهاها، أن ننقد بوازع وطني حبا في رؤية كل ما هو جميل، ومتى كان النقد سيفا يأخذ الرؤوس ولا يحميها؟
ما سجل علينا مرة أننا انسقنا وراء الأهواء أو سقطنا في مستنقع السفاهة انتصارا لأنانية مفرطة، فالفريق الوطني برمزيته كان حجابا واقيا لنا، لذلك قلت مرة أن هذا المنتخب المغربي نحبه مهما لنا أساء، مهما استكثر علينا فرحا وانتشاء ولم يجلب لنا السعادة.
في مرات كثيرة وأنا أرقب مشهد الفريق الوطني وكل الذي يجرى اختباره من طرف وحيد خليلودزيتش، كنت أحاول أن أفهم، وكان غيري يستقرئ ويستنبط لعله يمسك رأس الخيط، وصور لنا وحيد بما كان يفعل أنه يلعب أحيانا بالنار، يجازف، والحقيقة أن تلك هي طريقته في صناعة كيمياء الإبداع..
كان منطق الأرقام يقول أن لا عتب على وحيد، بل ومن الجنون أن يستدعى الرجل لمحاكمة من الرأي العام، لا لشيء، إلا لأنه لا يقرن نتائجه المبهرة والمتطابقة مع ما هو مخطط له مع الأداء، وكم أترحم على إطارنا الوطني الرائع عبد الخالق اللوزاني، كلما تذكرت ما قاله لي يوما، «من يريد الفرجة فليبحث عنها في السيرك»، ولا كانت الفرجة إذا لم تقترن بالنتائج، تبا لفرجة تتبعها الهزيمة..
كانت حجتنا في الإحتجاج الهادئ على وحيد، أنه أطال البحث عن الوصفة السحرية، صحيح أنه يفوز، ولكنه مع ذلك كله، كان يرفع لنا الضغط ويخنق فينا الأنفاس ويلوي لنا الأمعاء، والحقيقة أنه كان في ذلك مستغرقا في عملية صهر للأداء الجميل، والذي سيخرج من شعلة مالاوي ليهبنا ذاك الجمال المبحوث عنه منذ زمن طويل. 
بلا علم زائد، قدم لنا وحيد في مباراة مالاوي، تشكيلا وشاكلة يتطابقان، يتناغمان بل ويبدعان تلاوين تكتيكية كثيرة ومبهرة، ولم أر في ذلك سوى البساطة التي ترمز للفخامة، فقد نجح الفريق الوطني المضروب مبكرا في كبريائه بهدف السبق لمالاوي، في تصميم المباراة الأجمل له منذ أن أصبح خليلودزيتش ناخبا وطنيا، لقد عثرنا في مباراة مالاوي عما كنا نبحث عنه ب«الفتيلة والقنديل»، عن الذي عاتبنا عليه وحيد وانتقدناه ورسمنا أمامه دهشتنا، ولكن أبدا لم نقلل احترامنا لما يفعله، لما يحاول أن يقوله لنا بالحركة والأداء وإبداع الأقدام لا بمعسول الكلام..
ما كنا نثور بسببه، ما كنا نقلق لغيابه وأحيانا نحزن لذوبانه، هو الذي حضر كاملا في مباراة مالاوي، أداء رائع كان لابد وأن يخرج من عباءة مباراة تعاملنا معها بطريقة ذكية جدا..
بالقطع، سنقول أننا قبضنا على الأداء الذي يرفع القدر ويبشر بأفراح قادمة، وإزاء ذلك نقول أننا أمام لحظة تاريخية نستطيع من خلالها أن نكتب صفحة جديدة في كتاب الأمجاد، بشرط أن نبقى متواضعين، أن تبقى الأرجل مثبتة في الأرض، أن نثق بشيء واحد، هو أن الميدان الفضاء الوحيد الذي نستطيع أن نقول فيه لإفريقيا، نحن الأجدر بلقبك، أما الترشيحات فنحن من يصنعها وليست هي التي تصنعنا..
بالكاد قطعنا نصف الطريق، وما بقي صعب وشاق ومضن، فلا مجد يأتي من دون عرق، ولا فرح يأتي من دون معاناة، والله يكمل علينا بالخير..