دار الزمان دورته، تعاقبت الأيام والليالي، وما صدق العالم أن طائر الفينيق سينبعث من رماده مغربيا، ليرسل في المدى ثلاث إشارات على شكل بشارات..
العاشر دجنبر من عام 2022، لم يصدق المغاربة ما كان يجري أمام أعينهم، المنتخب المغربي بهدف المروحية يوسف المصيري يتخطى بحارة البرتغال، ويعبر للمربع الذهبي، ليصبح أول منتخب إفريقي وعربي يصل للدور نصف النهائي للمونديال..
وكأن عقارب الساعة توقفت لروعة وجمالية بل وأسطورية الحدث الذي ما زال إلى الآن صداه يتردد في كل المنصات والقلوب..
الرابع عشر من مارس 2023، بكيغالي عاصمة رواندا، الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم، بحضور جياني إنفانتينو عراب الفيفا، تمنح لصاحب الجلالة الملك محمد السادس جائزة التميز الرياضي، تكريما لشخصه وامتنانا وعرفانا من عائلة كرة القدم الإفريقية، بمبادراته الخلاقة وأياديه البيضاء التي أصبغها على الكرة الإفريقية.
وعند تسلمه للجائزة الفخرية الممنوحة لملكنا الهمام، السيد شكيب بنموسى وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، يبلغ العالم كله من خلال الرسالة الملكية التي تلاها، قرارا اتخذته المملكة المغربية بمعية إسبانيا والبرتغال بتقديم ترشيح مشترك لتنظيم كأس العالم 2030.
الرابع من أكتوبر من عام 2023، صاحب الجلالة الملك محمد السادس يزف بفرحة كبيرة للشعب المغربي، خبر اعتماد مجلس الإتحاد الدولي لكرة القدم بالإجماع، لملف المغرب ـ إسبانيا ـ البرتغال كترشيح وحيد لتنظيم كأس العالم 2030..
ثلاثة تواريخ وكأنها لآلئ وألماسات تتوسط عقد الوطن الفريد، الجامع بينها عبقرية تشع من منبث الأحرار ومشرق الأنوار، لتجني الدهشة والإعجاب من العالم كله.

 
• نحن شعب لا ييأس
أكثر من حلم وأقوى من أمل، جعل المغرب من تنظيم كأس العالم لكرة القدم، حقا لم يتوان في المطالبة به، سعى نحوه بكل ما أوتي من صبر، وأبدا لم تهزمه لحظات الخيبة التي مر منها في ترشيحاته الخمسة الماضية، على اختلاف درجات مرارتها، (1994ـ1998ـ2006ـ2010ـ2026)، فقد كان واثقا من أن صباح الفرح سيطلع عليه يوما ليكافئ فيه ذاك الصبر والأناة والجلد.
وقد مهد المغرب مع كل إخفاق، الطريق نحو الهدف، راهن على الصدقية، رفع شعار المصداقية واستثمر في ثقة المنتظم العالمي، ليحولها إلى شعلة من حب وتعاطف، حتى قال كثير من المحللين والخبراء، أن المغرب بجديته ومصداقيته بات قريبا من الهدف.
في سنة 2004 والمغرب يخسر بسبب أرواح شريرة تحركت بقذارة في السراديب، رهان تنظيم مونديال 2010، وقد قيد له من قبل الفيفا أن يجرى لأول مرة على أرض إفريقية، بجنوب إفريقيا معقل «بافانا بافانا»، أظهرت المملكة الشريفة أنها لا تنكسر ولا تلين، مهما قوي الألم وتعاظم الأنين، فقد وجه صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله، الحكومة لكي تنجز كل الأوراش التي تعهد المغرب بفتحها، في حال حظي بتنظيم المونديال، وبخاصة المركبات الكبرى، التي سترى مطلع عام 2010 النور بكل من طنجة، مراكش وأكادير، وكان ذلك بمثابة عهد شرف قطعه المغرب على نفسه، فعلت قيمته بين الشعوب، وأيقنت الفيفا أنها أمام منافس شريف وعفيف لا ينكسر له جناح في تحليقه نحو هدفه.
وعزز المغرب تلك الثقة في قدراته وقوة أحلامه وصدقية رجائه، وهو يسجل في العشرية الأخيرة نقاطا كثيرة في رصيد الحضور الوازن على المستوى العالمي والقاري، وهو يستضيف بعلامة الجودة الكاملة ثلاث نسخ لكأس العالم للأندية، ويدشن لكرة القدم الإفريقية عهدا جديدا، من خلال مبادرات عديدة، تمثلت في استضافة تناظرات غيرت جوهر وطريقة الإشتغال داخل المطبخ الإفريقي، واحتضان الكثير من المنتخبات الإفريقية التي سارعت لاختيار المغرب مكانا لمباراتها ومعسكراتها في لحظات الضيق.
 
• جلالة الملك يباغت الجميع
وبرغم أن المغرب أخفق للمرة الخامسة في استضافة حدث كاس العالم، بعد أن خاض معركة ضارية مع العملاق الأمريكي الذي قاد ثالوثا رهيبا لاستضافة نسخة 2026، التي ستنظم لأول مرة ب48 منتخبا، إلا أن جلالة الملك، وجه الحكومة إلى طرد اليأس والتحلي بالأمل في تحقيق الحلم الكبير، فهذه المملكة السعيدة، هي وطن للحالمين الذين لا تنكسر لهم شوكة ولا يخيب لهم رجاء ولا يعرف اليأس طريقا لنفوسهم.
وكان يوم 14 من مارس الماضي، لحظة ملهمة بل ومعبرة عن معدن هذا البلد الذي يحول المحنة إلى منحة، ويخرج من الشوك زهرة الأمل، بكيغالي عاصمة رواندا، وقد اجتمع كبار القوم ليكرموا جلالة الملك محمد السادس حفظه الله، بجائزة التميز الإفريقي، تعبيرا عن الإمتنان والعرفان، لم وهبه المغرب لكرة القدم الإفريقية من عطايا، سيتلو شكيب بنموسى وزير التربية الوطنية والتعليم الأول والرياضة على الجمع، رسالة ملكية عميقة، كانت خاتمتها إعلانا عن الخبر السعيد، فقد قرر المغرب الترشح بمعية إسبانيا والبرتغال لتنظيم كأس العالم 2030 ، وقال صاحب الجلالة في رسالته، «وسيحمل هذا الترشيح المشترك، الذي يعد سابقة في تاريخ كرة القدم، عنوانَ الربط بين إفريقيا وأوروبا، وبين شمال البحر الأبيض المتوسط وجنوبه، وبين القارة الإفريقية والعالم العربي والفضاء الأورومتوسطي، كما سيجسد أسمى معاني الإلتئام حول أفضل ما لدى هذا الجانب أو ذاك، وينتصب شاهداً على تضافر جهود العبقرية والإبداع وتكامل الخبرات والإمكانات».
 
• ملف عبقري لا يضاهى
كان الإعلان رسميا عن هذا الترشح الطافح بمعاني السمو والعبقرية، من أرض إفريقية، ومن طرف جلالة الملك محمد السادس، إعلانا عن مولد فكرة غير مسبوقة في تاريخ كأس العالم، فهل هناك أفضل من أن تحتفي كأس العالم بمائويتها الأولى، من أن تنظم بين قارتين، كأسمى تعبير عن قدرة كرة القدم على الربط بين القارات والشعوب والحضارات، ما لم تقدر عليه السياسة وهي فن للممكن.
وطبعا، ما إن شاع الخبر، خبر الترشيح الثلاثي الإفريقي الأوروبي، الذي يبزغ كالقمر من سماء المتوسط، ليكون منافسا للترشيح الرباعي الأمريكي اللاتيني (أوروغواي، الأرجنتين، باراغواي وشيلي)، حتى قال العالم كله أنه الملف الثلاثي المغربي، الإسباني والبرتغالي يحمل في الكنه وفي الشكل علامات النبوغ والجمال والسحر الذي لا يقارن، فبين الدول الثلاثة مشتركات كثيرة، ضاربة في أعماق التاريخ، ولن يكون المونديال، إلا انبعاثا لضوء جديد، وإعلانا عن مولد جيل جديد من التنظيمات لأرقى المنافسات الكروية العالمية، بل إن هناك من المحللين، من قال أن دخول المغرب رفع الملف إلى درجات متقدمة من الكمال. 
وحسابيا، بعد أن نعد أصوات القارتين الإفريقية والأوروبية، ورياضيا، بعد أن نجرد البنى التحتية العملاقة التي تتوفر للدول الثلاثة، واقتصاديا، عندما نتوصل لحقيقة ما يوجد من اختلاف جوهري بين دول أوروأفريقية تتمتع باقتصاديات متماسكة، وبين دول أمريكية جنوبية تشترك في معاناتها اقتصاديا، سننتهي إلى حقيقة أن الملف المغربي، الإسباني والبرتغالي يبتعد بمسافات عن الملف اللاتيني، وأن إعلانه فائزا بتنظيم كأس العالم 2030 مسألة وقت ليس إلا..
 
• حققنا حلمنا.. المونديال في ديارنا
وبينما كنا نتأهب لمواكبة اجتماع تنسيقي بين رؤساء الجامعات الثلاث يوم الخميس 5 أكتوبر بالرباط، لوضع اللمسات الأخيرة على الملف الذي سيتم تقديمه للفيفا، سيفاجئنا يوم الأربعاء 4 أكتوبر 2023، بلاغ صادر عن الديوان الملكي، يزف من خلاله صاحب الجلالة الملك محمد السادس لشعبه الوفي، بفرحة غامرة، نبأ اعتماد مجلس الفيفا لملف المغرب، إسبانيا والبرتغال كمترشح وحيد لاستضافة نهائيات كأس العالم 2030، فما أروعه من خبر وما أجمله من نبأ، وما أعظمه من قرار، ذلك أن المغرب وبعد رحلة دامت 35 سنة، قضاها بين الأمل الذي يقطع دابر اليأس والرجاء في تحقيق حلم الأمة والناس، سينجح أخيرا في أن يكون ثاني بلد إفريقي بعد جنوب إفريقيا، وثاني بلد عربي بعد قطر ينظم كأس العالم.
الرائع في كل هذا، أن المغرب حظي في مسعاه لتنظيم مونديال 2030 بالإجماع، وما أجبر على المرور من خنادق وسراديب التصويت، تمام كما حظي أسبوعا قبل ذلك، بإجماع عائلة كرة القدم الإفريقية على تنظيم كأس إفريقيا للأمم لعام 2025، وذاك في رأيي أجمل مكافأة له على صبره ونزاهته وإصراره وعلو شأنه بين الأمم.