أمين حارث.. الخروج من الجحيم

أمين حارث قصة إصرار.. أو مسار تحول صوب الأفضل بطبيعة الحال واستفادة من دروس الماضي القريب من أجل بناء مستقبل وردي يشع بالأمل والنجاحات.
حارث واحد من فلتات الكرة الوطنية٬ خامة كروية مغربية الأصل برازيلية الملمح ٬ الأمر الذي قاد البعض ليضعه في قالب المقارنة مع النجم نيمار جونيور..
حارث الذي اختار ألمانيا واحدة من البلدان الشهيرة بطابعها الجدي والصارم في الكرة كما في باقي مجالات الحياة، عاش تقلبات كثيرة في آخر عامين له نوردها في التقرير التالي الذي يرصد إنبعاث هذا النجم من رماد الإحباط الذي كان يفتك بموهبته، وكيف أنقذ نفسه من جحيم كاد ينهي مسار الأيقونة.
عميدا على مبابي
قليلون هم الذين يعلمون أن أمين حارث كان عميدا على نجم نجوم الكرة الفرنسية الحالي كيليان مبابي رفقة منتخب فرنسا لأقل من 19 سنة، والذي توج باللقب الأوروبي، وبعدها إلتقى ديديي ديشان الأيقونة المغربية ووعده بمستقبل كبير رفقة منتخب "التريكولور"،  لتحدث الصدمة المدوية داخل أركان "الديكة" شهر شتنبر 2017، أي عامين بالضبط من الآن لما خرج أمين حارث ليؤكد وفي رسالة مؤثرة أنه لم يقاوم ابتعاده عن منتخب الجذور والأصل. منتخب الأسود رغم الحملة المسعورة التي قوبل بها من طرف الإعلام الفرنسي وبعض مسؤولي الكرة هناك.
سخر الفرنسيون من اختيار حارث هذا وأحالوه على مبابي الذي ألحقه ديشان بالمنتخب الفرنسي الأول الذي كان في طريق سالكة للتواجد في مونديال روسيا، إلا أن حارث ركب الصعب بل المستحيل وهو يرتدي قميص منتخب مغربي ظهر في المونديال آخر مرة قبل 20 عاما وتحديدا في فرنسا، وكان أمين حارث يومها مجرد مشروع رضيع.
وسيحضر أمين  للعب للأسود الأمر الذي أسر رونار وليحرث معه ما بقي من أرض تصفيات المونديال ويعبر لروسيا كما عبر رفيقه مبابي بألوان التريكولور.
إيران نعمة ونقمة
جعل أمين حارث محطة مونديال روسيا نقطة انطلاقة صوب تثبيت أقدامه بين عمالقة الجلد المدور، وبالفعل أن واحدا من أشهر 50 نجما رصدتهم الفيفا للمتابعة خلال هذه النسخة، ولم يخب ظن من راهنا على هذا الفتى الموهوب الذي يخوض المونديال وهو دون العشرين عاما، إذ سيعلن نفسه وللتاريخ أيضا، أول لاعب مغربي وآخرهم أيضا يتحصل على جائزة الأفضل من اختيار الفيفا في مواجهة إيران.
إختيار كان أشبه بالوبال على أمين ومحطة عاد ليؤكد في تصريحات لاحقة أنها أحبطته، إذ هاجمه رونار وبشكل غير مفهوم ولا متوقع، متهما إياه في الإغراق في اللعب الفردي على المؤدى الجماعي ليعاقبه عقابا ساديا فيه من القسوة الشيء الكثير، بأن استبعده من مباراتي إسبانيا والبرتغال لتمثل هذه المواجهة المونديالية منعطفا حاسما ونقطة تحول سلبية في مسار هذا اللاعب.
مراكش المحطة السوداء
وفي خضم هذه المعاملة الفضة من رونار والتي خلفت ندوبا وجروحا على حارث، ستتعاقب المصائب والتي لا تأتي منفردة كما هو شائع، بأن أمضى اللاعب إجازته في مدينة مراكش ولم يكن يعلم أن هذا الصيف سيحمل له شؤما وكوابيس حولت حياته وحياة أسرته لجحيم لا يطاق.
الحادث المروري والتداعيات التي رافقته واستعجال ناديه الألماني شالك تدخلا لمعالج نفسي رافق لاعبهم في محنته هذه، كان لا بد وأن يرخى بسدول المعاناة والألم وحتى اليأس على أمين الذي ما يزال عظما طريا.
ورغم خروجه سالما من هذه المحنة بتسوية أنهت مخاض الحزن الذي سيطر عليه، إلا أن هذه الترسبات تواصلت لترافقه في موسمه العسير مع شالك وكان لا بد وأن تؤثر حتى على حضوره مع الأسود.
باباراتزي ألماني للتشهير
يرحل أمين صوب ألماني بعد أن خرج سالما وسالكا من أزمة مراكش، ليلتقطه الباباراتزي الألماني الذي تحفز لملاحقة هذا اللاعب بعد تسارع الأحداث التي رافقته منذ نهاية المونديال.
ولأنه حتى ألمانيا لا تسلم فيها الصحافة من شر الأذى والتشهير المجاني، فقد أحصت بعض الصحف ومنها حتى "كيكر" الشهيرة والمعروفة بتعاطيها الموضوعي وخطها الجدي أنفاس أمين حارث، وأثارت تعاطيه للقمار وإدمانه على صالاته وعلى أنه صار عبئا على ناديه وحملا ثقيلا عليه.
وبطبيعة الحال وبما أن ناد من حجم شالك واحد من الفرق ذات الشعبية الجارفة، فقد كان لزاما على إدارة النادي أن تتحرك تارة لنصرة لاعبها وتارة لإظهار امتعاضها من تصرفاته، وطبيعي جدا أن ينعكس هذا على مستوى حارث الذي أنهى الموسم بـ 3 توقيعات لاغير وهو الذي توج قبل هذه النسخة بجائزة أفضل لاعب صاعد.
عالية و«با حسن»
مستحيل أمام هذه اللعنة والمتاعب التي بدا وكأنها بصدد هدم وإنهاء مسيرة هذا الفتى الموهوب حتى قبل أن تكتب فصول المجد والشهرة والقراء أن تسكت أسرته على ذلك، فقد كان لزاما أن تتحرك السيدة الوالدة أكثر من المرات السابقة، وهذه المرة لتلازم أمين كالظل وتستحضر حكاية حضانة الطفولة كي تحمي صغيرها أولا بعاطفة الأم، قبل أن تفكر في حارث النجم، أما دور الوالد «با حسن» فقد كان حاسما بدوره بوصفه راعي الأسرة والمسؤول عن رعيته ليصدر قرار زواج نجله والذي كلل بأيقونة وزمردة وياقوتة صغيرة اختار لها إسم «عالية».
زواج وتحصين حصن فعلا أمين من أشياء عديدة وغير مجرى الحياة والمسار، وعالية الصغيرة التي تبلغ اليوم 4 أشهر كانت النبتة التي احتاجتها مزهرية حارث كي تورق وتزهر وتحيط بيته وحياته بعبق ورحيق الأمل من جديد.
ليس كل سقوط نهاية
مقولة غاندي الشهيرة والتي تجعل من سقوط المطر بداية لحياة جديدة، طبقها أمين حارث بالحرف فجعل من سقوطه في محطة إيران وبعدها مراكش ثم خنق الأنفاس من الصحافة الألمانية، كل هذه السقطات جعل منها حارث بداية لوقوف جديد وتثبيت أقدام بكيفية أفضل.
وبغض النظر عن ردة الفعل التي تنم عن استعاضة من دروس الماضي، فما يجنيه حارث اليوم من نجاح ومن تفوقه متقدما على باقي لاعبي شالك، فهو ثمرة عمل شاق ومضني، إنطلق من الدوحة بقطر في ضيافة بنعطية في الصيف ويتوج اليوم من خلال تسخير أمين لمدرب لياقة بدنية يواكبه بالتمارين القاسية بعد كل مباراة على طريقة كريستيانو رونالدو، وهو ما تترجمه اللياقة البدنية العالية التي أصبح عليها.

 

مواضيع ذات صلة