كيف يمكن لكرة القدم المغربية أن تمتلك اليوم ملاعب تُبهر الصورة… بينما ما تزال بعض العقليات تُرهق اللعبة نفسها؟ وهل يكفي أن نبني مدرجات حديثة وكراسٍ جميلة وشاشات عملاقة حتى نقول إن الكرة المغربية دخلت زمن الاحتراف الحقيقي؟ ثم لماذا يبدو أحيانًا أن البنية التحتية تتقدم بسرعة… بينما يظل جزء من التسيير والتفكير الكروي يدور داخل نفس الحلقة القديمة؟
هل الملعب مجرد إسمنت وحديد وعشب؟ أم أنه ثقافة كاملة تبدأ من طريقة تدبير المباريات وتنتهي بعلاقة الجمهور واللاعب والإدارة والإعلام باللعبة؟ وكيف يمكن أن نمتلك ملاعب بمواصفات عالمية… ثم نشاهد أحيانًا سلوكًا لا علاقة له بما يفترض أن تعنيه كرة القدم الحديثة؟
لا أحد يمكنه إنكار أن المغرب يعيش طفرة مهمة على مستوى البنيات الرياضية. الملاعب الجديدة أصبحت جزءًا من صورة البلد، وهناك مجهود واضح لجعل المغرب قادرًا على احتضان أكبر التظاهرات القارية والدولية. الصورة تغيّرت فعلًا، والكاميرات اليوم تنقل فضاءات مختلفة تمامًا عما كان موجودًا قبل سنوات. لكن السؤال الذي يزعجني دائمًا هو: هل تطورت فقط الملاعب… أم تطورت معها العقليات أيضًا؟
لأن كرة القدم الحديثة لا تُقاس فقط بجمالية المدرجات، بل بطريقة التفكير داخل المنظومة كلها. الملعب الحديث لا يصنع وحده فريقًا يملك مشروعًا، ولا يخلق تلقائيًا جمهورًا واعيًا، ولا يحول الإدارات إلى مؤسسات احترافية، ولا يجعل اللاعب أكثر انضباطًا أو المدرب أكثر استقرارًا.
أحيانًا نشاهد مباريات داخل ملاعب مذهلة، لكن بعقلية متعبة جدًا، احتجاج دائم، توتر مبالغ فيه، تسيير مرتبك، قرارات انفعالية، وصراعات تبتلع أي مشروع حقيقي. كأننا غيّرنا القشرة… وتركنا الجوهر كما هو.
الملاعب الجديدة كان يفترض أن تُعلن بداية مرحلة مختلفة في علاقتنا بكرة القدم، لا فقط على مستوى الصورة، بل أيضًا على مستوى السلوك والثقافة الرياضية. لأن الجمهور الذي يدخل ملعبًا حديثًا من المفروض أن يشعر أنه داخل فضاء له قوانينه واحترامه وتنظيمه، لا داخل مساحة لتفريغ الغضب فقط. والإدارة التي تشتغل داخل بنية احترافية من المفروض أن تفكر بعقلية المشروع، لا بعقلية رد الفعل السريع. واللاعب الذي يلعب فوق عشب عالمي من المفروض أن يدرك أن الاحتراف ليس صورة على “إنستغرام”، بل التزام يومي داخل الملعب وخارجه.
المشكلة أن بعض الأندية ما تزال تُدار بنفس الارتباك القديم، حتى وهي تلعب داخل ملاعب جديدة. مدرب يُغيَّر بسرعة، لاعب يُقدَّم كمنقذ ثم يُهاجَم بعد أسابيع، مشروع يبدأ بالحماس وينتهي بالفوضى، وجمهور ينتقل من التقديس إلى الغضب في زمن قياسي.
لهذا أحيانًا أشعر أن الملاعب تطورت أسرع من العقلية الكروية نفسها.
الدول التي نجحت كرويًا لم تنجح فقط لأنها بنت ملاعب ضخمة، بل لأنها بنت ثقافة كاملة حول اللعبة: التكوين، الصبر، الاستقرار، احترام الاختصاص، والعمل طويل النفس. أما نحن، فما زلنا أحيانًا نبحث عن النتائج قبل بناء الأساس الحقيقي الذي يصنع تلك النتائج.
المثير أن المغرب اليوم يملك فرصة تاريخية نادرة. العالم بدأ ينظر إلينا بشكل مختلف بعد الإنجازات الأخيرة، والبنية التحتية تمنحنا صورة قوية، لكن الخطر أن نكتفي بالصورة وننسى العمق. لأن كرة القدم لا تتطور بالإسمنت وحده، بل بطريقة التفكير أيضًا.
الملاعب الجديدة مهمة، بل ضرورية، لكنها ليست النهاية. هي فقط بداية السؤال الحقيقي: هل نحن مستعدون فعلًا لبناء عقلية كروية جديدة… أم سنظل نضع عقلية قديمة داخل ملاعب حديثة؟
• لافتة:
أخطر ما يمكن أن يحدث لكرة القدم…
أن تتطور المدرجات أسرع من الوعي الذي يجلس فيها.