لم يعد كأس العالم، كما عرفه الجمهور لعقود، مجرد تظاهرة رياضية مفتوحة أمام الجميع، حيث تختلط الشعوب في المدرجات وتذوب الفوارق الاجتماعية داخل لحظة كروية جامعة، كما لم يعد السؤال مرتبطا فقط بمن سيفوز باللقب، بل بمن يستطيع أصلا أن يكون حاضرا في قلب الحدث. فبينما روج للنسخة المقبلة على أنها "الأكبر والأكثر شمولا" في تاريخ كأس العالم، تتصاعد في المقابل مؤشرات مقلقة تجعل من هذا المونديال مرشحا ليلقب بـ"مونديال الأغنياء". 
فالتحول الأبرز في المسابقة لا يتعلق بعدد المنتخبات أو اتساع رقعة التنظيم فقط، بل بطبيعة الجمهور المستهدف نفسه. فأسعار التذاكر التي قفزت إلى مستويات غير مسبوقة، خصوصا في الأدوار النهائية، تكشف عن انتقال تدريجي من منطق "المشجع"إلى منطق "الزبون". في هذا السياق، لم يعد حضور مباراة في نهائي كأس العالم حلما رياضيا فقط، بل صار قرارا اقتصاديا ثقيل الكلفة. فأرقام التذاكر وحدها تكفي لتوضيح حجم الفجوة التي تتسع بين اللعبة وجماهيرها التقليدية، إذ أصبحت متابعة حدث يفترض أنه "الأكثر شعبية في العالم" امتيازا ماليا أكثر منه حقا جماهيريا. 
هذا التحول يفتح نقاشا أعمق حول موقع الاتحاد الدولي لكرة القدم داخل هذه المعادلة. فالفيفا، التي تبرر خياراتها بمنطق السوق العالمية وتطور صناعة الترفيه، تبدو وكأنها تندفع أكثر نحو تعظيم العائدات المالية، حتى لو كان ذلك على حساب أحد أهم أسس اللعبة وهي شعبيتها وانفتاحها على مختلف الفئات الاجتماعية. وهنا يبرز التناقض بين خطاب "توسيع قاعدة كرة القدم" وبين واقع يجعل الوصول إلى المدرجات أكثر حصرية من أي وقت مضى.
كما أن الإشكال لا يتوقف عند الأسعار فقط، بل يمتد إلى منظومة كاملة تشمل الضيافة الفاخرة، وإعادة بيع التذاكر، وتكاليف السفر والإقامة، وصولا إلى التعقيدات الإدارية المرتبطة بالتأشيرات التي لم يعان منها الجمهور فقط، بل امتدت الأزمة لتصل إلى اللاعبين، الصحفيين وحتى الحكام وعلى رأسهم أفضل حكم في إفريقيا الصومالي عمر عبد القادر أرتان الذي منع من الدخول للأراضي الأمريكية. كل هذه العناصر تجعل من تجربة المونديال مشروعا ماليا متكاملا، لا يقدر عليه سوى جمهور محدود الإمكانيات، في وقت يفترض فيه أن تكون المسابقة رمزا للانفتاح العالمي. 
المفارقة هنا أن هذا التوجه يحدث في لحظة توسع تاريخي من حيث عدد المنتخبات والمباريات، وهو ما كان يفترض أن يعزز "شمولية" البطولة. غير أن الواقع يكشف أن التوسع الرياضي لا يوازيه توسع اجتماعي مماثل، بل على العكس، يبدو أن قاعدة المتفرجين داخل الملاعب تتقلص لصالح جمهور أكثر قدرة على الدفع، لا أكثر ارتباطا بالشغف.
وبين من يرى في هذا التحول تطورا طبيعيا لصناعة رياضية ضخمة، ومن يعتبره انحرافا عن فلسفة كرة القدم الشعبية، يبقى المؤكد أن مونديال 2026 لن يكون مجرد نسخة جديدة من كأس العالم، بل اختبارا حقيقيا لعلاقة اللعبة بجماهيرها ولحدود تحولها إلى صناعة اقتصادية بلا حدود.