يا لها من صورة بديعة تلك التي ظهر بها أسود الأطلس وهم يغادرون مدرج مطار الرباط-سلا في اتجاه نيويورك. بدلات داكنة أنيقة، وربطات عنق حمراء بألوان الوطن، وسجاد أحمر مفروش تحت أقدامهم… مشهد يختزل رمزية بلد أدرك أن كرة القدم الحديثة ليست مجرد نتائج داخل المستطيل الأخضر، بل هي أيضاً مسألة هيبة وتمثيل وثقافة انتصار.
وفي خضم هذا المشهد الذي بدا وكأنه مستوحى من أفلام هوليوود، برز اسم محمد وهبي بهدوئه المعهود ونظرته الواثقة وحضوره المتزن. ذلك الهدوء الذي لا يعرفه إلا الرجال الذين يعيشون تحت ضغط المسؤولية الكبيرة. فالقائد الحقيقي هو من يبعث الطمأنينة في نفوس من حوله، ويزرع الثقة، ويخفي شكوكه ليغذي الأمل.
ويمتلك وهبي ذلك المزيج النادر من الكفاءة والشخصية والإيمان بما يقوم به. فهو يعرف لاعبيه جيداً، ويدرك قبل كل شيء أنه يقود جيلاً لم يعد يخشى أحداً، جيلاً قادراً على تحريك مشاعر أمة بأكملها.
فالمنتخب المغربي في نسخة 2026 لا يملك الموهبة فقط، بل يمتلك أيضاً الجوع إلى المجد. جوع إلى الاعتراف، وإلى الألقاب، وإلى كتابة صفحة جديدة في تاريخ كرة القدم المغربية. هؤلاء اللاعبون يدركون أن مسابقة كبيرة قد تغيّر مسار حياتهم، وأن كأس العالم تكافئ قبل كل شيء قوة المجموعة وتماسكها، وهو ما يتميز به هذا المنتخب.
داخل هذه المجموعة، يصل عدد من اللاعبين بعقلية الطامحين وكبرياء المنافسين. إنهم لا يأتون من أجل المشاركة فقط، بل لترك بصمتهم. إنهم يمثلون مغرباً لم يعد يعتبر وجوده بين الكبار معجزة، بل أمراً طبيعياً وطموحاً مشروعاً، يعكس رؤية ملك، وتطلعات أمة، وحماس شعب بأكمله.
ولسنوات طويلة، كان المغرب يجلس إلى مائدة كبار كرة القدم العالمية بتواضع “الحصان الأسود الصغير”، مكتفياً بسعادة الحضور والمنافسة وإثبات الوجود. أما اليوم، فقد أصبحت تلك المرحلة جزءاً من الماضي.
فمنذ الإنجاز التاريخي في مونديال 2022، تغيرت نظرة العالم إلى المغرب. وأصبح المنتخب الوطني يحظى بالاحترام والانتظار والترقب. وكلما دخل أسود الأطلس أرضية الملعب، فإنهم يمثلون مدرسة كروية ومشروعاً متكاملاً وطموحاً قارياً، ويحملون آمال المغرب، بل وآمال إفريقيا بأسرها في مقارعة عمالقة اللعبة.
ولم يأت هذا التحول من فراغ، إذ وفر المغرب كل مقومات النجاح من بنية تحتية عالمية المستوى، وسياسة تكوين طموحة، ومراكز حديثة، وجامعة ملكية منظمة، ورؤية ملكية جعلت من الرياضة رافعة لإشعاع المملكة، فضلاً عن جالية مغربية استثنائية تواصل إثراء كرة القدم الوطنية.
وبطبيعة الحال، فإن الله وحده يعلم ما تخبئه منافسات كأس العالم، فالكرة تبقى لعبة لا تعترف بالتوقعات، وقد تكون قاسية أحياناً وساحرة في كثير من الأحيان. لكن أمراً واحداً بات مؤكداً: المنتخب المغربي لم يعد يسافر بعقدة النقص، بل يضطلع بمهمة واضحة، تتمثل في بذل كل ما في وسعه من أجل حمل كأس العالم إلى أرض الوطن، وتأكيد أن المغرب أصبح بالفعل جزءاً من نادي كبار كرة القدم العالمية.
وعندما صعد هؤلاء الأسود الشبان إلى الطائرة في مطار الرباط-سلا، بأناقتهم وتركيزهم وفخرهم بحمل ألوان الوطن، كان شعب بأكمله يرافقهم رمزياً. ولم يكونوا يعلمون حينها أنهم باتوا يحتلون المركز السابع في التصنيف العالمي للاتحاد الدولي لكرة القدم، وهو التصنيف الذي استقبلتهم به نيويورك، في صورة تجسد المكانة الجديدة التي بلغها المغرب على ساحة كرة القدم العالمية.
إضافة تعليق جديد