خطايا رونار السبع..

لا يمكن أن يصنف خروج الفريق الوطني من الدور ثمن النهائي لكأس إفريقيا للأمم بمصر، مقصيا من سناجب البنين بالضربات الترجيحية، إلا في عداد النكسات الكروية التي تصيب بالحسرة والألم وتستوجب المساءلة، مساءلة المشهد الكروي الوطني، ومساءلة الإستراتيجية المتوافق عليها بين الجامعة والإدارة التقنية الوطنية والطاقم التقني الوطني، ومساءلة المحددات الفنية الكبرى لهذا الفريق الوطني الذي أخفق في الإمتحان القاري.

صكوك الإتهام
وطبعا مع مساءلة كل هذه المكونات، لابد من مساءلة المدرب والناخب الوطني هيرفي رونار، فهم من متعته الجامعة بصلاحيات مطلقة، بل ومنحته البطاقة البيضاء ليتصرف في عرين الأسود كيفما يشاء، لا أحد يعترض على اختياراته البشرية ولا أحد يسائله عن خياراته التكتيكية، ولا أخاله إلا على استعداد لهذه المساءلة، كيف لا وهو من خرج بعد الإقصاء أمام بنين، ليقول أنه يتحمل كامل المسؤولية في هذا الإخفاق الذي أصاب المغاربة بحزن كبير، وأبدا لن يرمي بمسؤولية الإقصاء على لاعب بعينه، حتى لو كان ذاك اللاعب هو من أهدر ضربة جزاء في الثواني الأخيرة من الزمن الأصلي لمباراة بنين، لو سجلت لأعفتنا من هذا الحراك الكروي المطبوع بالكثير من الإنفعال في تقييم الخروج الكارثي.
ومع مساءلة المدرب الوطني هيرفي رونار، عن كارثية الخروج من الدور ثمن نهائي بطولة قارية دخلناها في جلباب المرشح للفوز باللقب، تحضر الكثير من تهم الإدانة والكثير من الخطايا الرياضية والتكتيكية والفنية، التي اقترفها الناخب الوطني في تدبيره لهذا «الكان».

الخطيئة الأولى
لم يكن إنهاؤنا للدور الأول، متصدرين لمجموعتنا بالعلامة الكاملة، بعد ثلاثة انتصارات تحققت أمام ناميبيا وكوت ديفوار وجنوب إفريقيا، ليغيب حقيقة أن كثيرا من المخاوف والهواجس، إنتابتنا جراء ما اجتره الفريق الوطني من ركاكة في الأداء الجماعي والذي لم تسلم منه بنسبة كبيرة، سوى مباراتنا أمام فيلة كوت ديفوار.
هذا التفاوت المقلق في الأداء الجماعي من مباراة لأخرى، والرشح الذي يصيب منظومة اللعب فيفقدها النجاعة، هو ما نبهنا منه هيرفي رونار ونحن نصل لأدوار الحقيقة، حتى لو كان من سنواجهه في الدور ثمن النهائي، منتخب بنيني تأهل كأفضل الثوالث.
وقد كانت خطيئة هيرفي رونار الكبيرة، تدبيره السيئ لمباراة بنين، ما تعلق بالإختيارات البشرية وما تعلق بالتحويرات التكتيكية وما تعلق أيضا باستعماله الأرعن لورقة البدائل، فباستثناء سفيان بوفال الذي عوض أمرابط وكانت له بصمة على المباراة، فإن التغييرات الثلاثة الأخرى لم تأت بأي شيء يذكر، أي أنها لم تساعد الفريق على الإتيان بالحلول.
وعندما يقول رونار أنه يتحمل المسؤولية في كارثة الخروج الصاغر، فإن أكبر أوجه هذه المسؤولية هي إدارته السيئة للمباراة أمام بنين، والتي ساعدت السناجب على تحقيق ما كان يبدو لمدربهم دوسويي من عداد المستحيلات.

الخطيئة الثانية
إذا ما كان ضروريا أن نحاكم الخروج من ثمن نهائي كأس إفريقيا للأمم برمته، فإننا سنعتبر أن هذا الخروج المبرمج والذي كان أفظع من الخروج من ربع نهائي نسخة 2017 بالغابون، هو نتيجة لخيار استراتيجي ارتضاه رونار لنفسه ورضيت به الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم.
كان أكبر سؤال طرحناه على رونار وعلى الجامعة ونحن نغادر كأس العالم 2018 بروسيا من الدور الأول وقد تحصلنا على نقطة واحدة، يرتبط بالمستقبل القريب للفريق الوطني، هل سيحافظ رونار على ثوابته البشرية ويبقي على لاعبين عمداء، حتى لو كان بينهم من تخطى عتبة الثلاثين سنة؟ هل سيبقي بالعرين على لاعبين سيصلون خلال كأس إفريقيا للأمم 2019 لسن 34 و33؟ أم أنه سيعمد لإقحام عناصر شابة، لتمكين الفريق الوطني من استشراف المرحلة القادمة بكثير من الثقة؟
والواقع أن هيرفي رونار فضل عدم المجازفة، عندما قرر الإبقاء على الثوابت البشرية لمكافأتها على الوفاء الذي باذلته طوال فترة إشرافه على الفريق الوطني، بل إنه أقنع رئيس المنتخبات الوطنية ورئيس الجامعة، بأن سنة مضافة للمسار الدولي لعناصر مثل بوصوفة، داكوسطا، بوطيب، الأحمدي، بنعطية ودرار، لن تؤثر على مردود الفريق الوطني، بل إنها ستعطي لهؤلاء الرموز فرصة إسدال الستار على المشوار الدولي بتحقيق اللقب الإفريقي.
والحقيقة أن ما حضر هنا هو الوازع العاطفي الذي يحجب للأسف الكثير من الحقائق المؤلمة، وفي مقدمتها أن لا يتمكن هذا الجيل من تحقيق المراد، أي الفوز بكأس إفريقيا للأمم، بل إنه يورط في اتخاذ قرارات لا تتأسس على العقل، بدليل أن رونار ما استطاع أن يحتوي العديد من التجاوزات التي عرفها تدبيره للفريق الوطني، وعرفتها على الخصوص معيارية الإختيارات البشرية، إذ لم يصبح معيار الجاهزية هو صاحب الأولوية في بناء هذه الإختيارات.

الخطيئة الثالثة
عندما يحضر البعد الإنساني بصورة منتفخة ومطلقة، في تصريف الأمور الفنية للفريق الوطني، وعندما يتحجم دور البعد التكتيكي والكروي والذي يحذر على الخصوص من طغيان الجانب العاطفي، فإننا نصبح أمام فريق وطني يؤسس على قواعد غير ذات علاقة بالجوانب التقنية، بل إن المدرب والناخب الوطني سيسقط في حب لاعبين بعينهم فلا يرى غيرهم.
وقد كان من نتيجة هذا التضخم العاطفي لدى الناخب الوطني هيرفي رونار، أنه بالغ في وضع الثقة في عناصر باتت فاقدة للأهلية البدنية والتقنية، بل إنه أضعف مرفق لعب هو ما كان يصنع التميز في فترات سابقة، وأقصد بذلك وسط الميدان، الذي وإن حضرت في تشكيله الخبرة والدراية غابت عنه الفتوة واللياقة البدنية العالية التي تساعد على تسريع وثيرة اللعب وبخاصة عند الإنتقال من الحالة الدفاعية للحالة الهجومية.
فإن جزمنا بالأدوار الرائعة التي لعبها الشيخ امبارك بوصوفة إلى غاية آخر مباراة له مع الفريق الوطني، أمام بنين، فإننا نطرح قضية التراجع الكبير لحجم المنسوب البدني لدى لاعب مثل كريم الأحمدي ويونس بلهندة، كما نطرح جدوى الإستمرار في الإعتماد على نبيل درار كظهير أيمن في وجود شاب في عمر نصير مزراوي والذي لعب موسمه المنقضي في أعلى مستوى، وأيضا جدوى تفضيل مروان داكوسطا على متوسطي دفاع كثر، كيونس عبد الحميد وبدر بانون وجواد يميق ونايف أكرد.

الخطيئة الرابعة
يذكر جميعنا كيف أن رونار جنى على حكيم زياش عندما أسقطه من لائحة الفريق الوطني المشاركة في نهائيات كأس إفريقيا للأمم 2017 بالغابون، بسبب أن الرجل وجد صعوبة في التأقلم مع محيط مقفل أو أنه مرتب بحسب مزاج الحرس القديم، ويذكر جميعنا أن زياش ما عاد للفريق الوطني ليكون صاحب بصمة كبيرة في تأهل الفريق الوطني لنهائيات كأس العالم بروسيا، بعد 20 سنة غياب، إلا بتدخل من فوزي لقجع رئيس الجامعة.
ومع ما سجلناه على مواقف رونار من زياش، من تحول وانقلاب بلغ 360 درجة، بسبب أن حكيم «ورانا حنة يديه» في كل المباريات التي لعبها بعد «كان 2017»، إلا أن ذلك سيتسبب لرونار في قرحة فكرية جديدة، هي خوفه من ارتكاب أي حماقة بخصوص زياش.
وإذا ما نحن قدرنا أن رونار تفهم الدخول الصعب لزياش في أجواء كأس إفريقيا للأمم بمصر، بعد موسم خرافي ومضغوط مع أجاكس أمستردام، رفع أسهمه عالميا بشكل صاروخي، فإننا لم نفهم لماذا لم تكن له الشجاعة لكي ينأى بزياش عن هذه المستنقعات التقنية التي سقط فيها في مباراة بنين.
ألم يكمن حريا برونار، أن لا يشرك زياش في مباراة جنوب إفريقيا، ليبقي على طرواته وأيضا ليخلده للراحة النفسية فيكون جاهزا نفسيا أكثر منه بدنيا لمباراة السناجب؟
ألم يكن حريا به وقد شاهد منه ذاك الأداء المرتبك في مباراة بنين، أن يستبدله هو ببوفال ويبقي على نور الدين أمرابط في المباراة؟
ألم يكن جديرا به أن يتنبه إلى أن زياش موجود فعلا خارج الخدمة، بل إنه محطم المعنويات نتيجة تأخره في الدخول للمباراة وعدم رضاه على نفسه وعلى أدائه، ويعفيه من تنفيذ ضربة جزاء مصيرية في توقيت حاسم خلال مباراة بنين؟

الخطيئة الخامسة
اليوم بعد الإقصاء، ونتيجة لحاجتنا إلى مكاشفة ومساءلة، يجدر بنا أن نستعيد شريط ما وقع مع عبد الرزاق حمد الله، عند دعوته أولا لمباراة هولندا الودية التي لم يحضرها لسبب لا يمكن قطعا الأخذ به، وعند ضمه ثانيا لتشكيل الفريق الوطني المسافر لمصر.
صحيح أننا حملنا عبد الرزاق حمد الله مسؤولية التسرع في اتخاذ قرار الخروج من عرين أسود الأطلس في وقت حساس، إلا أننا نحمل قدرا أكبر من المسؤولية للمدرب والناخب الوطني هيرفي رونار، لأنه مسؤول بمقام أول على العرين، ويفترض فيه أن يمنع وجود أي شكل من أشكال التكتلات، كما يفترض فيه أن يسهل على كل لاعب وافد أمر الدخول في أجواء الفريق الوطني، لقد كان رونار المعني الأول بحماية حمد الله، حتى لو كان هذا الأخير قد انتمى في السابق للفريق الوطني، لأن الحقيقة الأقوى، هي أن حمد الله سيحضر للفريق الوطني لأول مرة منذ أن أصبح رونار ناخبا وطنيا.

الخطيئة السادسة
وقد ترتبت عن خطيئة سوء تدبير الخلاف مع حمد الله الذي استوجب رحيله وإسقاطه من اللائحة، خطيئة أكبر، ذلك أن رونار وقد ظن أن وجود ثلاث رؤوس حربة سيعفيه من وضع رأس حربة رابع في اللائحة الإحتياطية والنتيجة الصادمة، أن حمد الله رحل، فتم تعويضه بعبد الكريم باعدي لاعب حسنية أكادير والذي يلعب ظهيرا أيسر، ونتيجة للإصابة المعقدة التي لحقت بخالد بوطيب، فإن الفريق الوطني سيلعب هذا «الكان» بمهاجم صريح وحيد هو يوسف النصيري، الذي كان يحتاج لمن يساعده على تحمل ضغط المباريات ويمنع عنه ذاك الإستنزاف البشع للطاقة الذي مورس عليه وهو يشرك في المباريات الأربع ويطلب منه وحيدا أن يتجول كالأسد في أحراش الدفاعات الناميبية والإيفوارية والجنوب إفريقية والبينينية.
الغريب أن رونار ودائما بسبب ما أعتبره وازعا عاطفيا، سيتشبت بخالد بوطيب وسيفضله على مهاجمين آخرين وفي مقدمتهم رشيد عليوي الذي يذكر رونار جيدا أنه هو من فك له عقدة الفيلة في «كان 2017»، برغم أنه كان يعرف مسبقا أن بوطيب أمضى النصف الأخير من الموسم الكروي المنقضي مترددا على مصحة نادي الزمالك المصري، وفي ذلك ما يقول بعدم جاهزيته البدنية وبضعف تنافسيته أيضا.

الخطيئة السابعة
لا يمكن أن نختلف على أن الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، ما تعاقدت مع هيرفي رونار ليقود أسود الأطلس في المرحلة التي أعقبت العودة الثانية للزاكي بادو لعرين الأسود، إلا لأنها توسمت فيه القدرة على أن يقود الفريق الوطني لنيل النجمة الإفريقية الثانية، والتي طال بحث الأسود عنها في أحراش إفريقيا، بخاصة عندما اقتربوا منها قبل 15 سنة بتونس مع الربان الزاكي بادو يوم بلغوا النهائي الشهير امام نسور قرطاج وخسروه.
وكان للجامعة ما تتأسس عليه في هذا الطموح، وهو أن رونار وقبل أن يأتي للمغرب، كان قد دخل تاريخ كأس إفريقيا للأمم، بأن كان أول مدرب يقود منتخبين مختلفين للظفر باللقب الإفريقي (زامبيا سنة 2012 وكوت ديفوار سنة 2015).
ومع كل الأعذار التي إلتمسناها لرونار وهو يعجز عن الذهاب لأبعد من الدور ربع النهائي لنسخة 2017 بالغابون، فإن في استمراره على رأس الفريق الوطني بشروط تفضيلية، ما كان يملأنا يقينا بأن الفريق الوطني سينال هذه النجمة الثانية المبحوث عنها منذ سنة 1976، بل إن فوزي لقجع رئيس الجامعة ما بدا واثقا من قدرة الأسود على نيل اللقب القاري، أكثر من هذه المرة.
وبالطبع عندما نتأكد من أن الجامعة وفرت لرونار ظروف عمل لم تتهيأ لمن سبقوه، بل إنها أعطته ما لم يعطه أي منتخب إفريقي لربانه التقني، عندما نعرف أن رونار كانت له «الكارط بلانش» ومتع بالكثير من الصلاحيات، وأبدا لم يسجل على مساره مع الأسود أي إخلال بالتعهدات، فإن رونار يكون مسؤولا أمام الجامعة وأمام الرأي العام الرياضي الوطني على أنه لم يبلغ الهدف المخطط له.

صك البراءة
ونحن نعدد الخطايا التي سقط فيها المدرب والناخب الوطني هيرفي رونار، والتي لها طبيعة استراتيجية ورياضية وتقنية وحتى سلوكية، فإننا لا نقصد أبدا أن ننال من كفاءة وأهليته، فهو المصنف إفريقيا بقوة ما أنجزه، كواحد من أفضل المدربين غير الأفارقة الذين توافدوا على القارة السمراء، ولا نهدف أيضا إلى التقليل من النجاحات التي تحققت للفريق الوطني معه، فالرجل بعد أن حضر للفريق الوطني أهله خلال دورة الغابون 2017 للدور الثاني، وهو الدور الذي عجز الفريق الوطني عن بلوغه منذ دورة 2004 بتونس، والرجل أهل الفريق الوطني لكأس العالم التي غاب عنها لعشرين سنة كاملة، والرجل أعطى للفريق الوطني هوية وشخصية وأسلوب لعب، صحيح أن ذلك لم يقده للفوز باللقب الإفريقي، إلا أنه في النهاية صعد بالفريق الوطني لصدارة المنتخبات الإفريقية في التصنيف العالمي.

الحكم بعد المداولة
ما حدث بمصر والفريق الوطني يخرج صاغرا من الدور ثمن النهائي أمام سناجب بنين، أن المغاربة انقسموا بشأن مستقبل رونار مع الأسود، فمن يطالب ببقائه ويشترط ذلك بتقليص الصلاحيات وإعادة النظر في الإستراتيجية المتبعة، ومن يطالب بالإنفصال عنه لأنه استنفذ قدراته وانتهت صلاحيته، وسيكون من الصعب عليه أن يعيد بناء نواة جديدة للفريق الوطني، وأكثر من ذلك، أن رونار لن يتمكن من العمل بنفس الحماس الذي جاء به للمغرب سنة 2016.
وبين موافق على بقاء رونار، وبين رافض لاستمراره على رأس العارضة التقنية للأسود، فإن الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم عند اجتماع مكتبها المديري في أعقاب الخروج المهين أمام بنين، أرجأت النظر في مستقبل هيرفي رونار إلى حين التوصل بتقرير منه شخصيا، وإلى غاية الحصول على افتحاص تقني تعكف عليه حاليا لجنة تقنية شكلت لهذا الغرض.
 
 

 

مواضيع ذات صلة