في سماء المغرب، مع تصاعد أدخنة الإثارة والدهشة المنبعثة من نسخة ساحرة لكأس إفريقيا للأمم، حلقت ثلاثة أسراب من النسور، نسور قرطاج، نسور مالي والنسور الخضر لنيجيريا، وما أحدث الصفير الذي يصم الآذان، سوى النسر النيجيري، الذي قدم نفسه خلال هذه النسخة كقوة صاعقة تزلزل المكان والزمان والمنافسين.
قبل أن يأتي نسور نيجيريا إلى مواجهة المغرب في نصف نهائي تاريخي، كانت أرقامهم دليلا على رعبهم، وكانت خضرة أجنحتهم من اخضرار الأمل عند النيجيريين لتعويض نكسة الخروج من كأس العالم، لدلك كان على الفريق الوطني أن ينصب الشباك التكتيكية الضخمة ليوقع هذه النسور الجارحة ويخرس صفيرها الذي يزعزع المكان.
كان الأسود بحاجة إلى لياقة نفسية ثم بدنية رهيبة ليربحوا أم المعارك، وكان وليد الركراكي تحديدا بحاجة إلى صفاء ذهني ليضع للسفر الشاق والمرهق كل المؤونة التكتيكية التي تساعد على ركوب القمم الشاهقة والمشي في المسالك الوعرة.
وجاءت الوصفة إعجازية بكل المقاييس، أسود تحضر إلى ساحة المعركة، تطلق زئيرها فيسكت صفير النسور، سجال بدني وتكتيكي من الطراز الرفيع، صحيح أنه لم يثمر هدفا في زمن باغ الساعتين، لكنه تركنا مشدودين بالمشاعر والعواطف، إلى قصة كانت تكتب بالأمنيات حينا وبالرعشات حينا آخر.
وكم كان فريقنا الوطني وهو ينزل بالتزام واحترافية عاليتين، فكر وليد الركراكي، رائعا في تكسير الأجنحة الضخمة لهذه النسور الجارحة، لكي يزج بلوكمان وأوسيمين وأدامز في المنفى، كان من الضروري قطع الإمدادات وحظر التموين، فتسيد الفريق الوطني وسط الميدان على فترات، بعمل جماعي رهيب، ساهم فيه الكعبي وابراهيم وحتى الزلزولي مع الثالوث العيناوي، الخنوس وصيباري، كما نجح الثنائي أكرد وماسينا في وضع الغول أوسيمين في زنزانة، فلا يظهر له أثر.
ومع وجود حكيمي ومزراوي، بثقلهما الهجومي، توقفت الأظهرة النيجيرية عن التحرك عموديا لدعم التدفق الهجومي للنيجيريين.
كان من الممكن أن يحسم الأسود هذه المعركة الضاربة في شوطها الأول، بخاصة من كرتي ابراهيم وحكيمي ورأسية الكعبي، لكن قدر المباراة، أراد أن يرتفع الأدرنالين لمستويات قياسية، أن تنقضي الدقائق المائة والعشرون، ولا شيء أسقط الأصفار من مكانها، لتصل المباراة إلى ضربات الترجيح، ولحظتها إطمأننا جميعا أن لنا أسدا يحمي العرين، يستطيع أن يصد بعضا من الركلات النيجيرية، لكن هل تسعف القوى الذهنية المتبقية الأسود على أن يصيبوا الهدف في لحظات الرجفة.
من كان حارسه بونو، لا يمكن في لحظات مفصلية وتاريخية كهاته، إلا أن يدون الفصل المتبقي في كتاب الأسطورة.
الفريق الوطني في نهائي كأس إفريقيا للأمم، ذاك هو "الترند" الذي جال العالم في رمشة عين فحقق ملايين المشاهدات.
مبروك علينا.