قد تبدو التصريحات الأخيرة لرئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، التي أشاد فيها بتطور كرة القدم المغربية، للوهلة الأولى اعترافاً مشروعاً بالجهود التي بذلتها المملكة. فالبنية التحتية الحديثة، والتنظيم الناجح للتظاهرات الكبرى، والنتائج القارية والعالمية اللافتة، إلى جانب الفوز بسبع نهائيات من أصل عشر، كلها عناصر تؤكد أن المغرب فرض نفسه فاعلاً أساسياً في كرة القدم الإفريقية والعالمية. غير أن خلف هذا الخطاب المطمئن يبرز سؤال مقلق: من المستفيد فعلاً من هذه العملية التواصلية، وما الذي يُراد التغطية عليه؟

لا أحد يمكنه إنكار المسار الذي قطعته كرة القدم المغربية خلال السنوات الأخيرة. مراكز تكوين منظمة، واستثمارات عمومية ضخمة في الملاعب والأكاديميات، واستراتيجية واضحة للإشعاع القاري، إلى جانب احتضان مسابقات تحت إشراف الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم، وقريباً الفيفا، كلها عوامل جعلت من المغرب نموذجاً يُستشهد به في القارة. غير أن هذه الإنجازات الحقيقية لا تحتاج إلى تزيينها بخطابات مفرطة في الإشادة، لأن الاستحقاق الرياضي والمؤسساتي يُقاس على أرض الملعب، وفي جودة الحكامة، لا في التصريحات المناسبة سياسياً. وعندما يكثر رئيس الفيفا من الثناء، فإنه لا يكتفي بالاعتراف بالتقدم، بل يسعى أيضاً إلى توجيه الرأي العام وصياغة سردية تخدم مصالح المؤسسة، من خلال تقديم علاقة سياسية واقتصادية في صورة قصة نجاح متفق عليها.

توقيت هذه التصريحات ليس محايداً، إذ يأتي في سياق ما تزال فيه تداعيات الأحداث التي رافقت نهائي كأس أمم إفريقيا حاضرة في الذاكرة الجماعية، بعدما خلفت صدمة لدى الرأي العام المغربي وإحساساً بالظلم والإحباط. وفي المقابل، اعتُبرت ردود الكاف، ومن ورائه المنظومة الكروية والسياسية المرتبطة به، متساهلة وملتبسة، بل ومنحازة في نظر كثيرين.

في هذا السياق، تبدو إشادات الفيفا وكأنها محاولة لاحتواء الغضب عبر ما يشبه «التدبير النفسي» للأزمة؛ إذ يتم تذكير المغرب بمكانته كشريك أساسي ونموذج يُحتذى به، على أمل أن تخفف مشاعر التقدير من وقع الاستياء الناتج عن طريقة تدبير بعض الملفات داخل الكرة الإفريقية. غير أن المغاربة، الذين ينتظرون من المؤسسات أن تكون في مستوى المثال، يرون أن المغرب كان بدوره في مستوى المسؤولية.

كما أن هذا النوع من الخطاب المبالغ فيه قد يغذي مشاعر الغيرة، إن لم نقل الحساسية، داخل قارة تتداخل فيها المنافسات الرياضية مع الحسابات السياسية. فرفع المغرب باستمرار إلى مرتبة استثنائية في الخطاب الرسمي قد يثير ردود فعل سلبية لدى بعض المنافسين الإقليميين، ويزيد من حدة التوترات بدل تهدئتها، محولاً كرة القدم إلى ساحة صراع جيوسياسي مقنّع.

هذه الاستراتيجية ليست جديدة؛ إذ تلجأ المؤسسات الرياضية، عندما تتعرض للانتقاد، إلى التواصل وصناعة السرديات بدل المراجعة والشفافية. وهنا يتحول المغرب من شريك يُفترض احترامه إلى جمهور يُراد تهدئته بالكلمات، دون اتخاذ خطوات عملية تعيد الثقة فعلياً.

في الجوهر، لا تُلزم تصريحات رئيس الفيفا بشيء. فهي لا تعالج الإشكالات المطروحة، ولا تعيد النظر في تدبير نهائي كأس أمم إفريقيا، ولا تقدم حلولاً لتحسين آليات القرار أو العقوبات، بل تكتفي بتقديم المغرب في صورة «التلميذ النجيب» دون الاقتراب من مناطق الظل داخل المنظومة.

لذلك تبدو هذه التصريحات خالية من أثر سياسي حقيقي، أقرب إلى هدية رمزية تُقدَّم للرأي العام لصرف الانتباه عن أسئلة أكثر حساسية، تتعلق بمصداقية الهيئات الكروية، وعدالة القرارات، وتوازنات القوة داخل الكاف والفيفا، وكيفية ترجيح كفة بعض الدول على حساب أخرى وفق اعتبارات تتجاوز الإطار الرياضي. وهل كان المغرب ليستحق نهائياً في الدوحة؟

بمعنى آخر، يُوجَّه إلى المغرب خطاب تهدئة عبر كلمات الإطراء، بينما ما ينتظره الجمهور والفاعلون في كرة القدم هو أفعال ملموسة، وتوضيحات صريحة، ومعاملة قائمة على العدالة والشفافية.

كما يكشف هذا النوع من التواصل عن نظرة أبوية للرأي العام الإفريقي، وكأن الشعوب الشغوفة بكرة القدم يمكن تهدئتها ببضع عبارات منمقة، أو إقناعها بتجاوز أحداث مؤلمة بمجرد خطاب إيجابي. غير أن الجمهور المغربي اليوم أكثر وعياً واتصالاً بما يجري، ويدرك رهانات الحكامة ويحلل القرارات المثيرة للجدل، ويميز بين الاعتراف الصادق وعمليات التواصل الهادفة إلى امتصاص الغضب.

إن استمرار الهيئات الكروية في تفضيل خطاب المجاملة على تحمل المسؤولية يعمّق الفجوة بينها وبين نضج الجماهير. فالمجاملات لا تمحو الإحساس بالظلم، ولا تعوض غياب المحاسبة.

كرة القدم المغربية لا تطالب بالإشادة، بل بالاحترام؛ احترام القوانين، والإجراءات، والالتزامات، ومبادئ العدالة والشفافية. والاعتراف بتطورها يظل أمراً طبيعياً، لكنه لا يكتسب معناه الحقيقي إلا إذا ترافق مع ممارسات منسجمة عندما يتعرض المغرب، أو أي بلد آخر، لوقائع مجحفة خلال المنافسات الكبرى.

فالقيمة الحقيقية للمؤسسات لا تُقاس بما تقوله في أوقات الهدوء، بل بما تفعله في لحظات الأزمات. وما دامت الردود على الحوادث الخطيرة تظل مترددة أو غامضة، فإن خطابات الإشادة ستبقى بلا صدى حقيقي. فالمغرب لا يحتاج إلى كلمات بلا أثر، بل إلى حكامة كروية ترتقي إلى حجم استثماراته وتضحياته وشغف جماهيره. الكلمات تزول، أما القرارات فتبقى، وعلى أساسها ستُحاكم الفيفا والكاف.