كشفت دراسة علمية حديثة حول المخاطر المناخية المرتبطة بكأس العالم 2026، أعدها الباحثان في علوم البيئة دافيد فاراندا وديميتري ديفرانس، وحصلت عليها صحيفة «ليكيب» الفرنسية، أن النسخة المقبلة من المونديال، التي ستقام في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، قد تشهد ظروفاً مناخية قاسية، تجعل العديد من المباريات تُلعب تحت درجات حرارة مرتفعة ورطوبة خانقة.
وقال سيباستيان راسيناي، الباحث المتخصص في الأداء الرياضي والإجهاد البيئي بمركز مونبليي، إن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) أبدى اهتماماً كبيراً بالظروف المناخية خلال مونديال البرازيل 2014، ما أتاح جمع بيانات دقيقة أصبحت اليوم مرجعاً مهماً لفهم تأثير الحرارة على أداء اللاعبين.
وأوضح دافيد فاراندا، مدير الأبحاث بالمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي والمتخصص في الأرصاد الجوية والتغير المناخي، أن المناطق الأكثر عرضة للمخاطر المناخية تقع في جنوب ووسط الولايات المتحدة، وتحديداً في كانساس سيتي وأتلانتا ودالاس وميامي وهيوستن، إضافة إلى مدينة مونتيري المكسيكية.
وأشار فاراندا إلى أن طبيعة المخاطر تختلف من منطقة إلى أخرى، إذ قد تواجه المدن الواقعة وسط الولايات المتحدة عواصف رعدية وتساقطاً للبرد وارتفاعاً غير معتاد في درجات الحرارة، فضلاً عن احتمال حدوث أعاصير. أما في ميامي وهيوستن، فإن التهديد الأكبر يتمثل في الحرارة المصحوبة برطوبة مرتفعة، وهي ظروف قد تصبح صعبة التحمل، بل وقد تشكل خطراً على صحة اللاعبين والجماهير. وفي مونتيري، تكمن المشكلة الرئيسية في موجات الحر الشديدة.
وتشير التقديرات إلى أن نحو ربع مباريات البطولة ستقام في ظروف حرارة ورطوبة قصوى، مع تسجيل مؤشر الإجهاد الحراري (WBGT) مستويات تفوق 28، وهو ما يعادل 38 درجة مئوية في الأجواء الجافة أو 30 درجة مئوية في الطقس الرطب.
وأكد راسيناي، الذي سبق له العمل مديراً للأبحاث في مستشفى «أسبيتار» بقطر، أن ارتفاع درجات الحرارة يفرض تغيرات واضحة على إيقاع المباريات. فبينما لا تتأثر بالضرورة عدد الأهداف أو المسافات الإجمالية المقطوعة، تتراجع بشكل ملحوظ المسافات التي يقطعها اللاعبون بسرعة عالية، مقابل زيادة فترات اللعب منخفضة الشدة، ما يؤدي إلى تباطؤ نسق المواجهات.
وأضاف: «كرة القدم ليست مجرد سباقات متواصلة، بل لعبة جماعية تتكيف مع الظروف المناخية. ففي الأجواء الحارة تصبح التمريرات أكثر دقة، ويزداد زمن الاستحواذ على الكرة، بينما تتراجع وتيرة الضغط العالي والركض المكثف، لأن اللاعبين يسعون إلى الاقتصاد في مجهودهم».
وتابع الباحث الفرنسي: «عندما يقطع المنافسون أيضاً مسافات أقل بسرعة عالية، يصبح لدى اللاعبين وقت أكبر للتمرير واستقبال الكرة، ما ينعكس على أسلوب اللعب».
وشدد راسيناي على أهمية هذه المعطيات بالنسبة للمدربين، موضحاً أن الخطط التكتيكية المعتمدة على الضغط البدني المكثف والانطلاقات المتكررة لن تكون فعالة في مثل هذه الظروف، لأن أجساد اللاعبين لن تكون قادرة على تحمل هذا النوع من المجهود لفترات طويلة.
وفي المعهد الوطني الفرنسي للرياضة (INSEP)، يواصل الباحث في فسيولوجيا الجهد والبيئة فرانك بروشيري دراسة تأثير هذه العوامل عبر غرفة مناخية متطورة قادرة على محاكاة ظروف تصل إلى 40 درجة مئوية مع نسبة رطوبة تبلغ 80 في المائة.
وأكد بروشيري أن كأس العالم 2026 سيضع اللاعبين أمام مجموعة من الضغوط البيئية المتراكمة، تشمل الحرارة والرطوبة والارتفاع عن سطح البحر والتلوث وفروق التوقيت، مضيفاً أن «كل هذه العوامل تتراكم وتؤدي إلى زيادة الإرهاق البدني والذهني».
وتخلص الدراسة إلى أن مونديال 2026 لن يكون اختباراً كروياً فحسب، بل سيكون أيضاً تحدياً حقيقياً لقدرة اللاعبين والأجهزة الفنية على التأقلم مع ظروف مناخية استثنائية قد تؤثر بشكل مباشر في الأداء والمردود داخل المستطيل الأخضر.
إضافة تعليق جديد