مبدع أم مشاغب ؟ عادل تاعرابت.. حكاية فتى مزاجي لا يهدأ

إنسان مزاجي متقلب لا يهدأ له حال، ولاعب موهوب وخطير لم يجد بعد من يثبته على سكة التألق ويفتح عيونه على حديقة الإبداع والنجومية، ورغم القيل والقال فالفتى يخلق في كل مرة الحدث سواء بتوهجه أو سلوكاته وأيضا إنتقالاته.

آخر فصل كتبه إبن تازة في كتابه العامر بالأحداث والمحطات هو إنتقاله إلى ميلان الإيطالي في صفقة العمر حيث سيحمل قميص فريق حمله العمالقة والأساطير، وسيجد نفسه في أجواء صاخبة ومغايرة لعاداته ليسبح في بحر أمواجه عاتية ستختبر مهاراته في السباحة طيلة 6 أشهر، قبل أن تحكم عليه سواء بميدالية النجاح وبالتالي الصعود إلى منصة التتويج بعقد نهائي مغري أو تلفظه إلى شاطئ العجز والهوان بشهادة الشلل الكروي.

بزوغ موهبة

على عكس جل المحترفين المغاربة بأوروبا لم ير عادل تاعرابت النور بصقيع القارة العجوز ولم يطفئ شمعاته الأولى بعواصم الأنوار والأضواء، بل أنجبته أزقة تازة الضيقة حيث ترعرع ونشأ قبل أن يهاجر رفقة عائلته الصغيرة إلى فرنسا وتحديدا إلى مدينة بيرليتانغ الصغيرة والنائمة على دراع مارسيليا.

سرقته كرة القدم سرا قبل أن تواصل سلبها عقل الصبي جهرا لتحلق به من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال حيث خطفه مركز تكوين النادي العريق لانس، وبدأ تأطيره منذ سن 12 إلى 17 عاما ليتم الزج به لأول مرة رسميا مع الفريق الأول في مقابلة جمعت بين لانس وسوشو ضمن فعاليات الليغ1.

لندن تقتنص الولد

كان الفتى موهوبا ومثيرا للأنظار وطريقة لعبه لم تكن مشابهة لأقرانه وغير قابلة للتقليد وهو ما منحه طابعا خاصا به رغم سنه القاصر، لكن الولد أبدى شغبا كبيرا إلى جانب شغبه الكروي فحدث وأن تشاجر في أحد الأيام مع زملائه في لانس أثناء خوضه لإحدى المباريات، ليغادر بعدها أرضية الميدان مقررا عدم العودة إليه بقميص لانس.

ساءت علاقة عادل ببعض زملائه في لانس الذين لم  يكونوا يطيقون طريقة لعبه فقررت إدارة النادي الإستغناء عنه مؤقتا لصالح توتنهام الذي أثارته موهبة اللاعب، ليعلن الفريق اللندني عن تعاقده مع المغمور تاعرابت في يناير 2007 في صفقة إعارة لمدة ستة أشهر مع إمكانية الشراء.

في حضرة ريدناب

قضى عادل (18 سنة) فترة إعارته بكامل الإنضباط والتميز فأفلح في إقناع المسؤولين الإنجليز بمنحه عقدا إحترافيا بقيمة مالية كبيرة (4 ملايين أورو)، وهو المبلغ الذي أسال الكثير من المداد كون اللاعب صغير السن وقادم من مركز تكوين وحط الرحال في قلعة وايت هارت لين الملأى بالنجوم واللاعبين الكبار.

تدرب الشاب على يد الإسباني خواندي راموس لأشهر قليلة قبل أن يأتي المدرب الإنجليزي هاري ريدناب ليتولى زمام أمور النادي سنة 2008، وهنا كان المنعرج الحاسم في مستقبل اللاعب مع توتنهام بعدما لم يكثرت الربان الجديد كثيرا بموهبة عادل ولم يستدعيه للمقابلات إلا نادرا، فغابت الثقة وقل التواصل بينهما في الحصص التدريبية ليعلن ريدناب في إحدى تصريحاته أن تاعرابت غير ناضج ولا يصلح ليلعب في فريقه ليخبر الإدارة بضرورة إعارته حتى ينضج ويكتسب الكثير من الخبرة.

كوينز بارك في الإنقاذ

رضي إبن تازة بالأمر الواقع وقبل بالإنصراف المؤقت من رحاب وايت هارت لين متوجها في رحلة قصيرة بين أحياء لندن، حيث جلبه كوينز بارك رانجرز معارا في مارس 2009 لتتجدد الإعارة في موسم 2009ـ2010.

أبدع عادل وأمتع المتتبعين في الدرجة الأولى الإنجليزية خلال هذا الموسم فخاض 44 مقابلة بأداء فريد مسجلا 7 أهداف، الشيء الذي سلب عقول الأنصار ودفع مالك كوينز إلى التفاوض من أجل شراء عقده نهائيا مقابل 1 مليون أورو ونيف.

تألق ومجد مثير للأنظار

إنفجرت موهبة تاعرابت بقوة في الدرجة الأولى وصار حديث الأندية والخصوم عقب إستعراضه لعضلاته نهاية كل أسبوع موقعا أهداف ساحرة ومتمتعا بكامل الحرية في أرضية الملعب، فقاده نهاية موسم 2010ـ2011 إلى الصعود التاريخي إلى البريميرليغ بعد مشوار عجيب إفترس فيه جميع المنافسين تباعا ليُتوج ملكا من ذهب كأحسن لاعب في الموسم في البطولة (16 هدفا و16 تمريرة حاسمة).

هذا التوهج الباهر لفت أنظار أندية وازنة في إنجلترا وألمانيا وإيطاليا بيد أن صاحب 22 سنة آثر البقاء مع فريقه وخوض المقابلات في القسم الممتاز بقميص كوينز بارك، فلعب موسمين متتاليين ضد العمالقة لكن الأداء تراجع بشكل ملحوظ بعدما واجه صعوبات جمة في التلاعب وهز شباك الخصوم ليتنفس هواء المعذبين في جحيم أسفل الترتيب.

فولهام تبقيه في البرميرليغ

عاد كوينز بارك رانجرز من حيث أتى وهبط نهاية موسم 2012ـ2013 إلى الدرجة الأولى الإنجليزية فرفض تاعرابت الهبوط معه وأعلن العقوق، فما كان له إلا أن يغير المحطة لكن دائما بلندن وهذه المرة بفولهام بتوصية خاصة من المدرب مارتن يول المعجب بقدراته منذ سنوات.

تحقق مراد الرجل في الإستمرار بحدائق البرميرليغ وأمضى عقد إعارة لمدة عام قابل للتحول إلى عقد شراء، وحاول البرهنة على قوته وفرض إسمه بين أمهر اللاعبين في البطولة العتيدة لكنه فشل وعجز عن مجاراة الإيقاع المرتفع، فكان يظهر مرة ثم يختفي ولم يستقر على مستوى العطاء بل ولم يتذوق قط طعم التسجيل خلال 12 مقابلة حضرها منها 7 فقط دخل فيها كأساسي، ليُبخّر أحلامه في البقاء المدرب الهولندي مولينتسن بديل مواطنه يول المقال فكان الإنفصال غير المنتظر في منتصف الطريق بعد رسوب في الإمتحان.

خروج مفاجئ وإنتقال مباغث

كانت جميع المؤشرات تفيد بأن تاعرابت سيكمل عقد إعارته في فولهام هذا الموسم وسيتم منحه فرص أخرى خلال مرحلة الإياب من البرميرليغ، خصوصا وأن الأخبار المحيطة به كانت تقول بأن الرجل تربطه قصة عشق مثير بعاصمة الضباب التي لا يريد مغادرتها مهما كان الإخفاق والفشل.

وعكس المتوقع وفي آخر ساعات الميركاتو الشتوي ظهرت قصاصات إخبارية تشير إلى أن تاعرابت سيغادر لندن والوجهة خارجية وتحديدا ميلانو، وهو ما تأكد بعدها بساعات عقب تحليق اللاعب إلى مقر العملاق الأوروبي إجتياز الفحص الطبي ثم العشاء مع المدير الرياضي غالياني لتوقيع عقد الإعارة لمدة ستة أشهر مع إمكانية الشراء مقابل 7 ملايين أورو.

مرحبا بميلانو

فاجأ الكل بمن فيهم أقرب المقربين إليه حينما حزم حقيبته بشكل مباغث لمغادرة لندن لأول مرة منذ أن قدِم إليها قبل 7 سنوات من لانس الفرنسية، ليقرر سلك منعرج حاسم في مشواره الرياضي بالتعاقد مع أحد أكبر وأفضل الفرق الأوروبية والعالمية عبر التاريخ.

الشاب الخجول في المظهر والمشاغب في السلوك والمزاج لقي ترحيبا كبيرا بمطار ميلانو من طرف الصحافة المحلية التي رصدت له صورا وتصريحات حصرية، كما وجد ترحيب الأبطال من غالياني الذي تناول العشاء معه كتقليدي لا يفعله العقل المدبر للروسونيري إلا مع كبار اللاعبين (كاكا، رونالدو، تفيتشنكو..)، ليُقدم رسميا صبيحة اليوم الموالي في مسرح سان سيرو حيث جاءته فرصة العمر.

فرصة العمر

بات تاعرابت عسكريا جديدا في فيلق المدرب الجديد سيدورف الذي أثنى على موهبته ورحب بقدومه، وصار اللاعب نجما جديدا سيولد بعاصمة الموضة وستتابعه العدسات أينما حل وإرتحل مما سيجعله أمام تحدي شخصي وكروي غاية في الصعوبة.

الرجل المعروف بإنزلاقاته المتكررة وشغبه مع المدربين ورفضه لكرسي الإحتياط إضافة إلى تردده على مقاهي «الشيشة» سيكون معرضا للإعدام الكروي لو أصر على المواصلة في القيام بالأفعال التي عُرف بها بين الجمهور المغربي والفرنسي والإنجليزي، والكالشيو إختبار عسير لموهوبٍ يعشق الإحتفاظ بالكرة ويدمن على المراوغة ويغرق في الكثير من الأحيان في اللعب الفردي، والمؤكد هو وجوب إنضباط اللاعب وإنصاته للنصائح من سيدورف وزملائه حتى يتطور ويولد من جديد ولما لا يصير نجما عربيا يزين سماء ميلان ويشكل ثنائيا مرعبا للخصوم صحبة المشاغب الآخر ماريو بالوتيلي.

إعداد: المهدي الحداد

مواضيع ذات صلة