«إذا كنت تشعر بالحاجة إلى دعم منتخبك، فاشترِ تذكرة واجلس مع المشجعين»
لم يكن سلوك الصحافيين الذين غطَّوا كأس أمم إفريقيا مثالياً في أي وقت من الأوقات، على الأقل ليس في جميع الدورات التي تابعتها منذ أول بطولة غطّيتها في السنغال عام 1992.
لكن في السابق، كانت الأمور تبقى عموماً تحت السيطرة، بوجود جسم صحافي محدود نسبياً، ومع تجاوزات قليلة.
اليوم تغيّرت المعادلة. فمشاهد الفوضى التي سُجّلت في المغرب خلال نهائيات نسخة 2025 قدّمت صورة سيئة للغاية عن المهنة.
• منصة الصحافة تتحول إلى مدرج للمشجعين
مع تزايد شهرة المسابقة، ارتفع عدد وسائل الإعلام المعتمدة أيضاً. فالأمر يتعلق، في نهاية المطاف، بأكبر حدث رياضي في القارة، يُتابَع بشغف في مختلف أنحاء إفريقيا.
وقد بلغ عدد المعتمدين اليوم حدوداً يصعب التحكم فيها، لا سيما مع الحضور المكثف للمؤثرين وصنّاع المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي في المنصات الصحافية لمتابعة المباريات. طبيعة عملهم تدفعهم في كثير من الأحيان إلى التصرف كمشجعين، ما جعل منصة الصحافة تتحول إلى مدرج حقيقي للأنصار.
• مواجهات جسدية
في المغرب، اندلعت عدة مشاحنات جسدية بين صحافيين ينتمون إلى معسكرات متنافسة، بعدما بلغت مشاعرهم وحماستهم ذروتها بفعل المباريات، دون أدنى اعتبار للمبادئ الأساسية للعمل الصحافي من أخلاقيات وحياد وسلوك مهني، ناهيك عن غياب الاحترام لمن يعملون من حولهم.
وبالطبع، يتمنى الجميع فوز منتخب بلاده. وغالباً ما يعني ذلك أيضاً بقاء الصحافي لفترة أطول في المسابقة. وبالتالي، فالدافع ليس وطنياً فقط، بل شخصي أيضاً. غير أن هذه الحماسة يجب أن تُترك خارج قاعة الصحافة منذ لحظة الدخول إليها.
• غياب الاحترافية
في المقابل، شاهدنا صحافيين وفاعلين في شبكات التواصل الاجتماعي يصرخون ويهتفون داخل المناطق الصحافية، ويرتدون قمصان المنتخبات الوطنية، بل ويتدثّرون بالأعلام حول الخصر أو على الأكتاف. وفي مسابقة سابقة، رأيت أعلاماً معلّقة على طاولات الصحافة، كما لو كانت زينة للمشجعين على حواجز المدرجات.
من المفترض أن يكون الصحافيون أكثر وعياً. فالتكوين الذي تلقّوه كان ينبغي أن يرسّخ لديهم الحد الأدنى من المهنية. غير أن كأس أمم إفريقيا يبدو أنها تُخرج أسوأ ما لدى الكثيرين.
كما شاهدنا مراسلين يستفزون المدربين خلال الندوات الصحافية، بل وصل الأمر إلى إطلاق صافرات الاستهجان، كما حدث عندما عجز مدرب منتخب السنغال عن إتمام مؤتمره الصحافي بعد النهائي.
• أكثر المشاهد إدانة
شهدتُ أسوأ المشاهد في أبيدجان خلال نسخة 2023، عندما أُقصي منتخب غانا (النجوم السوداء) مبكراً وبشكل مفاجئ. ففي المنطقة المختلطة، الواقعة في نفق الملعب الرابط بين غرف الملابس والحافلة، تعرّض اللاعبون لهجوم لفظي من صحافيين غاضبين ومحبطين بسبب هزيمة منتخبهم.
وليس مستغرباً، بعد ذلك، أن يكتفي العديد من اللاعبين بوضع الهاتف على أذنهم متظاهرين بمكالمة، أو ارتداء سماعات الأذن لعبور المنطقة المختلطة (زون ميكست) متجاهلين وسائل الإعلام. فالمكان الذي كان في السابق فضاءً مميزاً للحوار، تحوّل إلى مسار شاق مليء بقلة الاحترام والتجاوزات.
من الضروري معالجة هذه المشكلة بشكل عاجل قبل أن تصبح مثل هذه السلوكيات أمراً عادياً. لا ينبغي للصحافيين أن يراقب بعضهم بعضاً، كما لا يجب أن يُلقى هذا العبء على عاتق المسؤولين الإعلاميين.
• سحب الاعتمادات
تبقى الكونفدرالية الإفريقي لكرة القدم الجهة الأقدر على التصدي لهذه الانحرافات، وذلك ببساطة عبر سحب الاعتمادات. فهو يملك هذه الصلاحية، ومن يرتكب مثل هذه التصرفات لا ينبغي السماح له بحضور المباريات. وأنا على يقين بأن إجراءً كهذا كفيل بإحداث تغيير سريع في العقليات والسلوكيات.
• دور هيئات الصحافة الرياضية
يتعين على هيئات الصحافة الرياضية في كل بلد أن تذكّر أعضائها بضرورة الالتزام بالانضباط والسلوك اللائق، وأن تثنيهم عن ارتداء الرموز الوطنية خلال المباريات. ومن يشعر بالحاجة إلى تشجيع منتخب بلاده، فعليه أن يشتري تذكرة ويجلس مع المشجعين.
يجب إعادة التأكيد على الاحترام المتبادل بين المهنيين. كما أن عملاً حقيقياً في مجال التأطير والتوجيه بات ضرورياً في هذا الشأن، وذلك قبل وقت كافٍ من موعد كأس أمم إفريقيا المقبلة المقررة سنة 2027.
إضافة تعليق جديد