بانون بين القانون والصابون

لست من هواة نصرة الأخ ظالما أومنطوحا، لأنه في وقتنا هذا ما عاد بالإمكان التمييز بين الأخ والعدو حتى تناصره. وما كنت في يوم من المتباكين الذين يستجدون بلاغا بإسم التضامن أو النصرة، لأن سهام الغدر وسيوف البتر كانت كلها تأتي من نفس الخندق والقبيلة فكان التفويض كله لمن لا تغشاه غاشية ولا ينام وهو أمكر الماكرين.
 لكني وفي مطلق كل الأحوال ومهما كان الإختلاف في الإنتماء والتوجه، لا أجد ما يبرر لا لبدر بانون ولا لغيره أن يقوم بنطح صحفي أو أحد من الجمهور بل حتى جامع كرات مهما كانت قيمة الإستفزاز.
 ولو سايرنا طرح الإستفزاز وسيلة ومبرر للنطح لتحول اليوم مورينيو لثور هائج ينطح الصحفيين في كل الندوات التي يحضرها، وما أكثر الأسئلة التي تثير الإشمئزاز كما طرحت عليه واتعض بالصمت كرد فعل حكيم عليها.
 كما هو الخبر مقدس والتعليق حر، هناك قاعدة السؤال مقدس والرد حر، وبدل النطح هناك أساليب وطرق أخرى أكثر وجاهة وتعبير  يمكن اللجوء إليها، كي لا تتحول مستودعات الملابس وقاعات الندوات لساحة «كوريدا» لترويض الثيران أو تهييجها.
لكن قبل أن تحملوا بانون لساحة الشنق لإصدار حكم إعدامه، من من الفقهاء تساءل وخاض في مسار هذا الفتى وما عاشه من نقلات صادمة وحالمة في عامنا هذا ؟
 ألم يتنقل بانون لسويسرا وفيها بنى جسور أحلامه كلها على روسيا، فتخيل نفسه في سان بتسبورغ يراقب رونالدو وعاش في لينينغراد وهو يمسك ويراقب أسباس ويحاصر كوسطا.. قبل أن ينسف رونار أحلامه ويحولها لكابوس؟
هل رافقت الرجاء عميدها بعد هذه الرجة العنيفة وصاحبته بالعلاج النفسي الذي يستحقه؟ ومن منا إقترب من بانون ليلملم جراحه  ويرمم ما تهدم داخله؟
 قد يبدو الأمر للبعض على أنه مرافعة على اللاعب وهي ليست كذلك كما قلت سالفا، لأني ما ناصرت يوما سلوكا عدوانيا ولا وقفت بصف من ينطح، بل أسوق كلامي مستجيبا لقانون ونظرية السببية التي تربط الأسباب بمسبابتها، ولو فعلنا ذلك أو فعله من هم أقرب منا جميعا لبانون وهم داخل الرجاء، لما حدث ما حدث اليوم وما حدث قبلها بخريبگة.
 حالة الإندفاع التي يحاكم من خلالها البعض بانون، هي من صميم ما تراكم لدى اللاعب من مؤثرات نفسية، بين شعوره بالإحباط والدونية في فترة أولى لما إستبعد من المونديال وفي الثانية لما اختار رونار أشرف داري مكانه وهذا واقع يعرف الرجاويون والوداديون عامة، والثالثة لما عاد رونار ليقول دون أن يستفسره أحد، وقال أن لديه بنعطية وداكوسطا ولا يحتاج لبانون.
 إنفجارية بدر بانون هي من وحي التداخل الحاد الذي يخالجه، بين الشعور بالتفوق وكأنه دون كيشوط يصاقر طواحين الهواء  لما توج عميدا بالشان وعاد ليتوج بكأس الكاف، وتقديره أن هذا التفوق وهذه الإنجازات هي رد على المشككين أومن يخال أنهم يحاربونه.
 داخل بانون  تعايش في العام الحالي الذهب والغضب، الفرح والقرح..الشان وروسيا..كينشاسا وموسكو وكل المتناقضات التي تولد هذه الطاقة الإنفجارية الرهيبة.
 لاعب يتلقى في عام واحد مكالمتي تهنئة من القصر، وفي كل مرة يخال أن ما يحدث معه إنصاف إلاهي يقابله ظلم وحرب وهمية تستهدفه، كان بحاجة لرعاية ومصاحبة نفسية تخبره أن ما يتراءى له وأمامه هو من وحي الخيال، أو وسواس قهري  كي لا ينتج وتنتج تصرفاته ما يراه غيره على أنه تجاوز مطلق لكل الخطوط الحمراء.
 قليلة هي الفرق المغربية التي تستعين ب «الكوش مونطال» الذي يمثل اليوم في الكرة العالمية وعلى أعلى المستويات الممكنة ضرورة ملحة، وهناك أكثر من لاعب إعترف بعد اعتزاله بما عاشه وهو نجم كبير من حالات إكتئاب مزمن تراكمت لديه ليس بسبب «الكريدي» والديون وإنما من تراكم الفرحة والبطولات وهو ما كشف عنه كانطونا وبعده إنييسطا.
اللاعب بالنسبة للفرق هو منتوج وآلة حرث، دورها ينحصر في 90 دقيقة أو حتى الدقيقة 88 كما هو اختصاص بانون.. وبعدها كل غازي يقصد بلادو. فمتى إنتفت  الحميمية والإخلاص في علاقة النادي باللاعب، فتأكدوا أننا سنشاهد ونعيد مشاهدة أكثر من بانون ضحية ضعف تأطير وغياب المصاحبة.
وبجانب القانون الذي يعلو ولا يعلى عليه، لا تسايروا المتربصين ببانون بالصابون ليوقعوه على رأسه التي ينطح بها؟؟

 

مواضيع ذات صلة