من هذه النسخة الإستثنائية لكأس إفريقيا للأمم، التي يرفع المغرب عماداتها لتبدو جميلة، جمال قارة تتأنق لبساطتها، جذابة جاذبية وجهها الوديع، مر وانقضى دور المجموعات، لنبدأ من يوم غد السبت، المرحلة الأقوى، التي لا مجال فيها للتعويض، مرحلة خروج من أذله أداؤه الجماعي وخانه التعبير عن ممكناته الفنية والتكتيكية والنفسية أيضا.

ولعل المنطق، بتعريفه الكروي لا العلمي المتعارف عليه، فرض نفسه في توجيه سفن دور المجموعات، حيث نجحت المنتخبات «المرشحة» في نشر أشرعتها لتفادي الإعصار الذي تأتي به المباريات، فمن وضعوا على رأس المجموعات، إحتكاما لتصنيفهم الدولي، لم ينجحوا فقط في عبور دور المجموعات، بل إنهم فعلوا ذلك متصدرين لمجموعاتهم، ومنهم من حقق ذلك بالعلامة الكاملة، وهو ما ينذر بإعصارات كروية قادمة لا تبقي ولا تدر، بخاصة عندما ينقضي الدور ثمن النهائي، وقد أجهز في الغالب على المنتخبات التي تأهلت «قيصريا» كأفضل الثوالث.

ولأن المنتخب المغربي الذي ترشحه كل الأرقام الرياضية، وليس فقط ما يحظى به من سبق إستراتيجي بفعل الإستضافة، قد أنجز المطلوب، بتأمين صدارة المجموعة، حتى لا يخرج من عرينه أولا وحتى لا يتحرك ثانيا صوب الممرات العسيرة، التي يفرضها الحلول ثانيا أو ثالثا في المجموعة، فإنه يدرك غاية الإدراك، أن ما يفصله اليوم عن اللقب الحلم، أربع محطات في صورة مواجهات طاحنة، ولو أن المقاربة المثالية، للسفر إلى حيث المجد وكتابة التاريخ، تقتضي أن يعامل الفريق الوطني كل مباراة على حدة، بما تفرضه من تركيز وتواضع وحسن تدبير.

بعد أن انتهى دور المجموعات، وتوضحت الطريق نحو الهدف الجماعي، شرع الجميع في تقليب ما بقي من محطات الرحلة التاريخية، من يمكن أن يواجههم الأسود في دور ربع النهائي، حال تجاوزهم لنجوم الطايفا (منتخب تنزانيا) الذين نعرفهم يقين المعرفة، تماما كما هم يعرفون بل ويحفظون أسودنا عن ظهر قلب، ومن سيلاقيهم في المربع الذهبي، وصولا إلى المباراة النهائية، إلا أن هذه الإستباقية في التفكير، تشبه إلى حد بعيد بيع جلد الدب قبل سلخه، لذلك وجب إعمالا للتواضع الذي تفرضه مثل هذه البطولات، أن يركز الفريق الوطني كل حواسه التقنية والذهنية والإبداعية على مباراة الأحد أمام تنزانيا، التي يجب أن تعامل بمنطق اللحظة لا بمنطق التاريخ.
صحيح أن ما يوجد بين المنتخبين المغربي والتنزاني من فوارق بشرية ،تقنية ومهارية، لا يجيز أي قياس، ولا يضع من مترشح أقوى للفوز والعبور إلى الدور نصف النهائي، غير الفريق الوطني، لكنها كرة القدم التي لا تؤمن إلا بحقائق الميدان، كرة القدم التي تحذرنا سوابقها الكثيرة والمريرة، من مغبة الإفراط في الثقة، ومعاملة المباراة بما تستحقه من تواضع.. تواضع هو السبيل الوحيد للإرتفاع فوق مكر المفاجآت.
إن منطق التدرج في الأداء الجماعي خلال البطولات المجمعة، والذي يلازم في العادة الأبطال، يفرض أن يواصل الفريق الوطني الإرتقاء بأسلوب لعبه، وقد أعطانا على ذلك دليلا في مباراة زامبيا، عندما تخلص من ترسبات مباراة مالي، وما شابها من أخطاء في التدبير والتقدير، وحتما إن ارتقى هذا الأداء الجماعي لما هو أفضل مما كان عليه عند ملاقاة الأسود لمنتخب الرصاصات المحاسبة، فإن الطريق إلى الدور ربع النهائي سيكون معبدا وسالكا، والله المستعان.