أسود المواعيد الكبرى

أبدا لم تتسرب إلي ولا ذرة شك واحدة، في أن الفريق الوطني سيقدم مباراة بطولية ومثالية أمام منتخب الفيلة، لأن ما عدا ذلك، كالذي شاهدناه في مباراة ناميبيا أو الذي اجتررناه من وديتي غامبيا وزامبيا لا يعتد به ولا يمثل أي قاعدة للحكم، بل إنه لا يعدو أن يكون استثناء في الزمن الرائع للفريق الوطني.
ومع ما كنت أدركه وغيري يدركه، من التحول الكبير الذي حدث داخل منتخب كوت ديفوار بمجيء جيل من اللاعبين المبدعين (بيبي وجوناثان غودجيا)، وتجسد في مباراة الفيلة والبافانا بافانا، إلا أنني كنت موقنا أن الفريق الوطني لم يفقد بعد هويته وبهجته وشغفه بتعذيب المنتخبات الكبيرة وقدرته على إبراز الشخصية القوية في اللحظات الصعبة، فعندما يكون ضروريا أن يتزين الفريق الوطني للمباريات الكبيرة فإنه يلبس أجمل ما لديه ليسحر ويبهج العين بقتاليته وشراسته وتعذيبه الجميل للخصوم.
شخصيا توقعت أن يأتي الفريق الوطني بالروح الإنتصارية التي كان بها بأبيدجان، قبل سنتين عندما تمكن من تركيع الفيلة بمعاقلها وأيضا بكأس العالم بروسيا الصيف الماضي، عندما قدم مباريات رائعة أمام كبار العالم، وهذا التوقع مؤسس على قناعة كاملة من أن هيرفي رونار وهو يبقي الثقة كاملة في أسوده الذين صنع بهم الزمن الجميل، كان يدرك تمام الإدراك أن أسوده لن يخذلوه، وللأمانة فإن ما شاهدناه في ملعب السلام بالقاهرة أمام الفيلة، يقول بمطلق الأمانة أن الفريق الوطني لوحة فنية مشكلة بكل ألوان الطيف ومؤطرة بالأحزمة الضوئية المانعة لأي ظلام.
وعندما قلت بأن رونار، وهو يلاقي المنتخب الإيفواري في مباراة لا يريد منها سوى نقاطها الثلاث، لن يتفلسف كثيرا ولن يتنازل قيد أنملة عن توابثه البشرية والتكتيكية، فلأنني أعرف كم هو واقعي وثابت على المبدإ، وقد جاءت مباراة كوت ديفوار لتقول، كم كان رونار محقا في كل الذي فعله، عندما لعب بذات التشكيل الكلاسيكي، وعندما وضع ثقته في ثالوث الوسط وأيضا في القناص يوسف النصيري، برغم ما كان من تحفظات عليه وعلى بعض أجنحة هذا الوسط، وبرغم ما كان من تكهنات بوقوع أكثر من تغيير على مستوى النهج والتشكيل.
لا يمكن عند وضع درجات الإشادة، أن أستثني أحدا من اللاعبين، فلكي يجلد الفريق الوطني مجددا فيلة كوت ديفوار، ولكي يحلق مبكرا إلى الدور ثمن النهائي، ولكي يقدم مباراة قال الخبراء عنها هي الأجمل في كل الذي مر علينا من مباريات في كأس إفريقيا للأمم الحالية مع مباراة الجزائر والسينغال، لابد وأن يحضر الفريق الوطني بجماعية الأداء التي تضع كل اللاعبين على ذات الدرجة من الإجادة والإبداع.
فمن شكك في قدرات بلهندة، شاهد كيف أن هذا الفتى قدم مباراة هي من أصل موروثه الفني الضخم، ومن قال أن الأحمدي سيتهاوى بفعل الحرارة والتقدم في السن، شاهده يتحرك بعنفوان الشباب، ومن قال أن بوصوفة يوجد في درجة تحت الصفر من الجاهزية، لاحظ كيف أن الرجل مسح الملعب طولا وعرضا كأي عداء للمسافات القصيرة، ومن شكك في قدرة النصيري على تقمص دور القناص، شاهده مروحية تبث الرعب في الدفاع الإيفواري وتعذب الرؤوس وتحني الهامات.
هذا هو المنتخب الذي نعرفه، ويقسم رونار بأغلظ الإيمان أنه ما زال قادرا على صناعة الأحلام، هذا هو المنتخب الذي نحبه مهما أسأنا له من فرط خوفنا عليه.
بالطبع نطمع في المزيد، ونحن موقنون أن هذا الجيل الذي شارف كثير من رموزه على الإعتزال الدولي جاد في البحث عن أجمل خاتمة لمشوار رائع مع الأسود..

مواضيع ذات صلة