إبتهاج ورهج..

في الفرح الجميل الذي صدره محاربو الصحراء لعالمنا العربي الموجوع بالتشرذمات والإنقسامات، وهم يقبضون على الأميرة السمراء في ربوع الأهرامات الشاهدات على إبداع أبناء عروبتي، ما يبعث على الإبتهاج وما يصيب بالرهج.
أما الإبتهاج، فهو من الذي أشهدنا عليه هؤلاء الفتية، وقد عقدوا العزم على إحياء الأمل فينا بالمستقبل وبالأيام الباسمات والمشرقات، فما استعصى عليهم منال، وكيف يستعصي عليهم وقد كان الإقدام لهم ركابا، فأسعدوا العرب من المحيط إلى الخليج، وهم يضعون وسام المجد والنجمة الإفريقية الثانية على صدورهم.
طبعا نبتهج بهذا السيل الرائع من العرق ومن الدماء الزكية المنسكبة من القلوب والمهج، ونبتهج بالأداء الجماعي المتقن لمنتخب الجزائر الذي ينتصر لأدبيات ولجماليات كرة القدم الحديثة، في صراعها المرير من أجل تثبيت روح المنطق في الخواتيم، ونبتهج أن من توج بطلا لإفريقيا، منتخب آمن بقدراته ولعب بممكناته واستحق على ذلك وبعلامة الإمتياز الكاملة لقب الأفضل، فكان البطل النموذجي والمثالي الذي لا يخرج في العادة من عباءات التاريخ ومن جحور التكهنات، ولكنه يخرج من رحم البطولة.
أما الرهج الذي أصابنا، وقد تطاير غبارا وحسرة ليعمي العيون ومنتخب الجزائر يتوج بطلا لإفريقيا، فسببه أن هذه الكأس الإفريقية بما انتهت إليه، كان من الممكن أن تيمم أشرعتها صوب المغرب، ولربما سنندم طويلا على أن جيلنا المونديالي الذي وضع نقطة النهاية لمساره الدولي الجميل، فوت على نفسه، كما فعل قبله، جيل مونديال 1986 وجيل مونديال 1998، فرصة القبض على الأميرة السمراء وقد كان بمنطق الأداء وقوة النفوذ التقني الأقرب إليها.
بالطبع نحن سعداء بتتويج المنتخب الجزائري الشقيق بطلا لإفريقيا، وتلك السعادة صدرناها كمغاربة بكل تلقائية وبمطلق العفوية، وبكل التعبيرات الممكنة لأشقائنا الجزائريين، ومنها ما كان رسائل إنسانية تفيض بالكثير من المغازي الجميلة، موجهة بالمباشر لكل الجنرالات الجزائريين الذين يصرون على استنساخ نفس خطابات الحقد والكراهية لزرعها في فكر ووجدان الشعب الجزائري، ومع تلك السعادة فإننا كمغاربة نشقى وأظن أننا سنشقى لزمن طويل، بإخفاق أسودنا في كأس إفريقية صممت على مقاساتهم التقنية والتكتيكية، فما شاهدناه في المنتخب الجزائري من أول إلى آخر مباراة له في ملعب البطولة، من انضباط ومن قوة شخصية ومن براعة في تنزيل أسلوب اللعب الجماعي ومن روح عالية، ومن إرادة لا تنكسر، شاهدناه في فريقنا الوطني وهو يغادر نهائيات كأس إفريقيا للأمم سنة 2017 بالغابون تحت تأثير معطلات بنيوية، وشاهدناه أيضا في فريقنا الوطني وهو ينهي خصاما مع كأس العالم دام 20 سنة، وشاهدناه في الأسود وهم يستأسدون في مونديال روسيا، قبل أن يجعل منهم «الڤار» أكبر ضحية الميلادات العسيرة، فلماذا يا ترى افتقدنا كل تلك الومضات الجميلة في كأس إفريقيا للأمم بمصر؟
إنه السؤال الحزين والثقيل على القلب، الذي حاول كل منا الإجابة عليه بعيدا عن غوغائية المتربصين بالنجاح وبالفشل على حد سواء، وهو أيضا الشعور المضطرب الذي لا نستطيع التحلل منه، لأنه سيلازمنا بكل تأكيد في بناء المرحلة القادمة، وأي بناء للمرحلة القادمة، إن لم يستدع فينا كل التواضع للتعمق في تجربة المنتخب الجزائري واستلهام نجاحاته، فإنه سيكون بناء مرتعشا ولا يعتبر بالنجاح الذي يتحقق للآخرين. 

مواضيع ذات صلة