معركتنا ضد الفساد

لا نحتاج، لكي نستدل على تفشي الفساد في مشهدنا الرياضي الوطني، إلى ما يدخلنا السراديب السرية أو إلى ما يتوغل بنا في مستنقعات التماسيح أو إلى ما يجعلنا نتحدث بالهمز واللمز أو حتى الرمز. مظاهر هذا الفساد المستشري والمعطل بالفعل لكل الديناميات التي يتحلى بها البعض لتغيير المنكرات الرياضية، موجودة بيننا تلتصق كثيرا بممشانا وبنعالنا وترن كالذبابات في طبلة الأذن، وكثير منا يلعنها صباحا ويتوسدها ليلا في نومه الكئيب.
الفساد الرياضي ليس فقط أن تبيع مباراة أو «تسمسر» في نتيجتها، من دون أن يرف لك جفن ومن دون أن يتحرك فيك الوازع الأخلاقي أو من دون أن تطالك يد القانون التي ترتفع عند من مشت الرياضة عندهم في طريق سيار، لتبطش بالخارجين عن القانون.
الفساد الرياضي لا ينحصر فقط في شراء الذمم وفي الترامي على الإختصاصات وفي خنق شريان الديموقراطية، الفساد أيضا هو أن يتسلط على النوادي والجامعات أناس قفزوا للمعترك بالمظلات، وحددوا لتسييرهم نمطا ولنواديهم التي يقبضون بخناقها منهجا تنهى عنه النظم والمواثيق وأصول الحكامة الجيدة، والمؤسف أن البدع التي خلقوها في أندية تحولت لمحميات محروسة بسلطان المنخرط المشترى بمال الفريق، أصبحت تقليدا في المشهد الرياضي الوطني، وكلنا يعرف أن أي تقليد ينغرس في بيت كرة القدم والرياضة بشكل عام، تصبح له جذور يصعب استئصالها بين يوم وليلة، وإن استأصلت سقط البيت على من فيه.
لا أحتاج لتقديم أدلة بعينها على الفساد المستشري في رياضتنا وتحديدا في كرة القدم، فمظاهر هذا الفساد نصطدم بها كلما أنجزنا افتحاصا للمشهد الكروي وحاولنا إحصاء ما يوجد به من أعطاب، فالشركات الرياضية التي هي فرض عين، تواجه من المفسدين مقاومة شرسة، لأنها قد تكون كتابة لنهايتهم الحتمية، هذا إذا لم يبرعوا في اختراق هذه الشركات لتشويهها وضرب صورتها الإيجابية كما فعلوا في سنين غابرة مع قانون المنخرط. ووكلاء اللاعبين الذين جاؤوا لكرة القدم ممتثلين لأحكام القانون ومالكين للأهلية وللإعتماد الدولي، اخترقوا بشكل فاضح من قبل سماسرة و«رقاصين» و«شناقة» كما يسميهم زميلي مصطفى بدري، كثير منهم خلقهم المفسدون من أجل تمييع الحرفة وذبح الكثير من اللاعبين بسبب ضحالة فكرهم الإحترافي، بل منهم من تجرأ على تهريب مواهب هذا البلد ليلا إلى الخليج العربي.
والمدربون الذين يحملون صفات التنشئة والتربية والتأطير بأبعادها الرياضية والأخلاقية، جذب كثيرا منهم إلى بؤر الفساد الرياضي، مسيرون يساومون في الرواتب، وأحيانا يمنحون العقود لكل من سدد أتاوات تحت الطاولة حتى لو كانوا فاقدين للأهلية، فكان من نتيجة ذلك أن خبرات تقنية وطنية أحيلت قبل الأوان على المعاش بذريعة أن فكرها التكتيكي جفت ينابيعه.
وفي النهاية، نستطيع أن نحدد طبيعة هذا الفساد الضاربة أطنابه في المشهد الكروي الوطني، في ضحالة وضعف النخب الرياضية التي يعول عليها لصنع القرارات المصيرية داخل الجامعة وداخل العصب المختلفة، وفي المعضلات الفنية والبنيوية التي تشتكي منها غالبية النوادي وأيضا في الجحيم الذي ندخله جميعا كلما كان من الضروري أن نصلح الأعطاب، جحيم الشك وجحيم الخوف وجحيم الإنتظار الطويل. 
قال السيد رشيد الطالبي العلمي وزير الشباب والرياضة، في تعقيبات كثيرة له على خيبات الرياضة الوطنية، وعلى وجود «لوبيات» هدفها تعطيل قطار التغيير، أن السلاح الوحيد هو تطبيق القانون، فاليوم وحتى إشعار آخر، ليس هناك من سبب لبطء حركة قطار التغيير، سوى وجود جمعيات وجامعات رياضية فوق القانون، وهذا أمر لم يعد مقبولا بالمرة. وعندما يعترف فوزي لقجع رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم بوجود فساد رياضي، تعبر عنه كل هذه التلكؤات والتسويفات في تنزيل القانون، ويقول إزاء ذلك أنه انتهى عهد الملاينة والكياسة، فهذا معناه أن المعركة الحقيقية التي يجب أن تخوضها الرياضة الوطنية وعلى رأسها كرة القدم بكل شرفائها ومثقفيها والمتشبعين بقيمها النبيلة، هي معركة التطهير وتجفيف منابع الفساد ومحاربة كل المفسدين مهما كانت تلاوينهم ومهما كانت المظلات التي رمت بهم إلى الرياضة الوطنية فأصبحوا وبالا عليها.  

مواضيع ذات صلة