لا عذر لنا بعد اليوم

هل كانت مباراة أسود الأطلس الودية أمام أولاد جنوب إفريقيا بلا قيمة فنية، حتى لا ندقق في الربان الذي أدارها وإختار لها اللاعبين وهندس لها شكل الأداء التكتيكي، بل وحدد لها أيضا الأهداف والغايات؟

فوق أنها مباراة فرضتها طقوس الإحتفال بالمعلمة الرياضية الجديدة التي تعززت بها عروس سوس، مدينة أكادير وانضافت للتحف الرياضية التي بات المغرب يفاخر بها، وبصرف النظر عن أن الفريق الوطني الخارج من الدور الإقصائي قبل النهائي المؤهل لكأس العالم بات محكوما بنوع من العطالة، إلا أن الأسود كانوا بحاجة ماسة لهذه المباراة لمزيد من تعميق العمل الجماعي ولمزيد من توثيق العرى التقنية والتكتيكية، وهم الذين يفترض أن يكونوا قد دخلوا الخط المستقيم للتحضير بشكل جدي للرهان القاري القوي عندما يكون المغرب بعد 14 شهرا مستضيفا للنسخة 30، ولكن هل كان في الظرفية التي توصف على أنها إكراه ما يكره على أن يلعب الفريق الوطني بناخب وطني منتهي عقده وما من أحد يمكن أن يعترض على أن الطوسي الذي رضي مشكورا بالعمل لساعات إضافية برضا خاطر و(بحسن نية) خطط للمباراة من زاوية الإختيارات ومن زاوية النهج التكتيكي المقترح بوحي من قناعاته وفكره وأسلوب عمله الذي لم نجد على الأقل من داخل الجامعة من يقيمه ومن يضعه تحت مجهر النقد والتحليل، كما أن ليس هناك ما يتبث أن ما فكر فيه الطوسي هو نفسه الذي كان سيفكر فيه ناخب وطني غيره، فيما لو قررت الإدارة الجديدة للجامعة والتي ستنتخب يوم 25 أكتوبر القادم البحث عنه ليكون رجل المرحلة القادمة.

كل تقييم إذا لمباراة جنوب إفريقيا التي كنت أرى أن يلعبها الفريق الوطني برغم ما قد نختلف على وجوده أو عدم وجوده من أعطاب واختلالات أفضل بكثير من أن لا يلعبها، كل تقييم وكل تناول بالنقد للمحك الودي أمام منتخب البافانا بافانا لا بد وأن يوضع في خانة التقييم العام لعمل الطوسي على مدار السنة التي إشتغل فيها ناخبا وطنيا.

وبرغم أن الجامعة وهي لا تملك المؤسسة المخول لها إنجاز التقييم الموضوعي لعمل الناخبين الوطنيين (الإدارة التقنية الوطنية) لم تقدم حكما نهائيا على رشيد الطوسي، فقد إكتفت وهي تصرف بدورها الأعمال مع نهاية ولايتها ومع تأخر انعقاد الجمع العام الإنتخابي، بأن منحته الضوء الأخضر ليواصل إستثنائيا عمله كناخب وطني، فدعا أولا لتجمع للمنتخب المحلي تم أتبعه بتدبير المباراة الودية أمام جنوب إفريقيا والتي لا يمكن للخلاصات الفنية أن تخرج فيها عن الخلاصات التي إنتهينا إليها بنهاية مشوار الأسود في تصفيات كأس العالم 2014، حيث أخرجوا من الدور الثالث والحاسم.

لن نختلف على أن رشيد الطوسي تطابق مع منظوره وظل وفيا لمنظومته، ولما قال أنها ثوابت في فكره عندما أبقى على هيكل الفريق الذي واجه منتخبات تانزانيا، غامبيا والكوت ديفوار وكفر عن سيئة تكتيكية هي ما كلفتنا الخروج المبكر من تصفيات كأس العالم بدار السلام، إلا أننا سنتفق على أن  التوظيف التكتيكي به عيوب كثيرة وعلى أن هامش تطور الفريق ضيق جدا وعلى أننا نحتاج لكثير من الوقت ليحصل الفريق الوطني على الهوية التكتيكية التي ضاعت منه منذ فترة زمنية بعيدة جدا.

لا خلاف على أننا شاهدنا أمام الكوت ديفوار هناك بأبيدجان وأمام جنوب إفريقيا وديا هنا بأكادير لاعبين متحفزين ذهنيا ومعافين نفسيا، يقفون على خط واحد من العزم والإصرار لمصالحة هذه الجماهير التي يكتشفون كل يوم أنها جاهزة لتحملهم إلى عنان السماء إن هم صدقوها، إلا أننا عند تحليل المباراة نقف على كثير من الحقائق الصادمة وكلها لها طبيعة فنية تتصل بالتوظيف وبالمتغيرات التكتيكية وبالأدوات المعتمدة للتنشيط التكتيكي بمختلف أوجهه، ومن يعترف بهذا سيعترف من تلقاء نفسه أن الفريق الوطني لا يمكنه إن واصل المشي بهذا الإيقاع البطيء والإكتشاف المتأخر لمواطن الخلل أن يكون محل ثقة ومصدر أمان في سعينا كمغاربة لأن يكون لنا فريق وطني قادر على المنافسة جديا على اللقب الإفريقي إعتبارا إلى أن المنافسة ستقام على أرضنا.

مؤكد أننا لم نكن أولا في مواجهة منتخب يصنف ضمن العيارات الثقيلة للقارة ولا أحد يجادل ثانيا في أننا واجهنا منتخبا جنوبا إفريقيا تغيب عنه العديد من مرتكزاته البشرية، وعندما نسلم بالحقيقتين معا فإنه لا بد وأن ننظر إلى مردودنا التقني وإلى ردات فعلنا وإلى تدبيرنا التكتيكي للمباراة الودية بكثير من التحفظ، فالفريق الوطني عانى كثيرا عند دخوله للمباراة التي تسيد الأولاد بداياتها ونجحوا في استغلال ضعف التغطية على مستوى الوسط الدفاعي، بل إنهم إستفادوا من المساحات التي ظلت فارغة مع إستمرار الطوسي في اللعب قاعديا بشاكلة 3ـ4ـ2ـ1 ليتسببوا في مشاكل عميقة للفريق الوطني بخاصة لما نجحوا في تسجيل هدفهم الأول، ولست أدري لماذا تمت التضحية بكثير من ثوابت الوسط الدفاعي (الأحمدي، هرماش) لندخل متاهة لا نهاية لها في تثبيت عناصر الإرتكاز والتي تصبح لها أدوار إستراتيجية عند الإعتماد باستمرار على أظهرة دفاعية متحركة باستمرار في اتجاه الهجوم، كما أنني لم أفهم كيف نعتمد كآلية تكتيكية على الإختراقات الجانبية لإسقاط الكرات ونحن نعتمد على قناص محوري واحد برغم أن الطوسي يؤمن بالملكات المكتسبة لعبد العزيز برادة للتوقيع على الأهداف، ولا أدري لماذا لم نطور بعد كل هذه الأشهر من العمل القدرة على ضبط الإيقاع بتسريع وثيرة الإنتقال من الناحية الدفاعية للناحية الهجومية والعكس بالعكس، أي محاولة الإحتفاظ بالكرة لأطول فترة ممكنة واستعادتها عن طريق ضغط جماعي بأسرع وقت.

لقد قلت دائما أن الفريق الوطني لا يفرز جماعيا ولا يقدم فعليا على أرض الملعب ما يتطابق مع قدراته الفردية الكبيرة، وهي معضلة تتصل بالتأطير التقني الذي نجزم على أن الأسود لم يحصلوا منذ رحيل الزاكي بادو على مدرب يستطيع صقل هذه البذرات الرائعة ليقدم من خلالها مشروع فريق وطني متمتع بشخصية قوية ومشروع هوية تكتيكية تحمي ظهر الفريق.

منتهى الكلام أن مباراة جنوب إفريقيا أفادت الفريق الوطني بأن أبقته في دائرة المنافسة وعمقت جاهزيته هو من يعرف أنه دخل فعلا الخط المستقيم لتحضير نفسه للرهان القاري، والخلاصة الأخرى أننا لا بد وأن نحسم من الآن وبلا مزيد من التأخير والتواكل مصير الإدارة التقنية للفريق الوطني، بأن يحسم في هوية من ستوكل له مهمة الإشراف عليها خلال الفترة المقبلة التي ستكون كأس إفريقيا للأمم سنة 2015 مجرد أمد قصير لها لطالما أن المشروع الجديد لا بد وأن يتأسس على أفق 2018.

مواضيع ذات صلة