للحكاية فصول أخرى

مثل النيازك التي تولد من العتمة لتضيء بسحرها المكان، جاء الإنجاز التاريخي والخرافي للرجاء البيضاوي وهو يضع لؤلؤة ثانية في عقد الإعجاز المونديالي بهزمه بطريقة ستخلد في الذاكرة نادي مونتيري المكسيكي في ربع نهائي كأس العالم للأندية وأيضا بصعوده الهلامي للمربع الذهبي الذي يجعل منه واحدا من أربعة كبار أندية العالم.

كنا نتوقع والنسور الخضر ينجحون بهزمهم لأوكلاند سيتي في إذابة جليد الخوف والضغط وهم من حملوا مسؤولية ترميم ما إنكسر في سمعة الكرة المغربية، كنا نتوقع أن ينجح نسور الرجاء في مجاراة مونتيري المكسيكي برغم ما يمثله هذا الفريق من جماعية رهيبة في الأداء ومن تبن لفلسفة كروية جعلت منه سيد كرة القدم بأمريكا الشمالية للسنوات الثلاث الأخيرة، إلا أننا لم نكن نتوقع أن يكون لاعبو الرجاء بتلك الروح البطولية وبذلك الإصرار الخرافي ليتفوقوا على أنفسهم قبل أن يتفوقوا على فريق نجزم على أنه يمثل لأي خصم جبلا شاهقا يحتاج إلى همة الرجال ليصعدوه.

والذي يعود بالتقطيع والتحليل والإستقراء لمضمون المباراة ولكل النار والمتعة التي تنفست بها على طول 120 دقيقة من الإثارة، لا بد وأن يقف على كل ما يستحق عليه نسور الرجاء تعظيم السلام، فقد تفننوا في مسح ما كان يبدو لنا وللعيان من فوارق وتفننوا أكثر في التعبير بأجمل صورة عن الذي نقوله دائما من أن الفريق إذا ما تطابق مع قدراته هزم المستحيل وأبطل العجب وصنع ملحمة ستبقيه أبد الدهر في الذاكرة، وقد قدرت جيدا ما معنى أن يجمل المدرب فوزي البنزرتي ما شاهده من موقع القيادة بأم عينيه من تعبير عن القدرات وتفجير للطاقات وتسلح بالإرادة لكسر المستحيل، بقوله وهو يهنئ نفسه بما أبدعه الرجاء بأكادير أمام أوكلاند ثم أمام مونتيري أنه يملك الرجال ومن يملك الرجال لا يتهيب من طول وعرض الجبال.

كان على لاعبي الرجاء لكي يقهروا فريقا بقيمة مونتيري المكسيكي أن يتحدوا أنفسهم وأن يرتفعوا كثيرا فوق سقف الأداء الذي تطبعوا به وأن يستمدوا من كنه ذواتهم الإصرار على اللعب في قمم عالية من الإيقاع بكل ما يفرضه الأمر من تماسك نفسي ومن جسارة وأيضا من شجاعة في تجاوز الأنماط الفنية التقليدية والإرتفاع عن المضمون التكتيكي الذي ألفوه في مبارياتهم بالبطولة الوطنية، ومع أن المباراة كانت فيها الكثير من حالات المد والجزر التكتيكية، بخاصة لما شعر مونتيري بخطر الخروج من الدور ربع النهائي وهو من حضر مرشحا فوق العادة للوصول إلى الدور نصف النهائي لمحاكاة شبه محلية لأتلتيكو منيرو بطل النصف الجنوبي للقارة الأمريكية، إلا أن لاعبي الرجاء أبرزوا بشكل ملحمي إرادة قوية لصنع الحدث، لقد كانوا يعرفون أنهم يكتبون تاريخا جديدا لهم ولناديهم وللكرة المغربية فما تأخروا.

بالقطع نستطيع علاوة على ما يستحقه هذا الذي شاهدناه يوم السبت بملعب أكادير والرجاء يعبر لمربع الأقوياء والجماهير المغربية تلبس المونديال حلل النجاح المبهر من إشادة وتنويه مقرونين بالإعتزاز، نستطيع أن نجعل من مباراة مونتيري وحدة لقياس القدرات الإبداعية للاعب المغربي، مثلما أن الفوز بدا لنا جميعا وكأنه هبة من السماء ليعظم الأمل وتكبر لدينا الثقة في أن الكرة المغربية تستحق بالتأكيد شيئا آخر غير الإحباطات والسقطات والأوجاع التي يتسبب فيها من يجلسون على كراسي المسؤولية وعلى قلوبنا أيضا.

تستطيع مباراة مونتيري بما أفرزته وبما أشاعته في كل دول المعمور من صور جميلة عن مغرب الكفاءات، أن تنهض بأنفسنا المتعبة والمتجهمة من فرط الغضب وأن تحفز على طرد الصور البديئة التي كانت عنوانا على الفشل، مثلما أن هذا الفوز يقوي شكيمة نسور الرجاء ليزيد من تحليقهم في سماء العالمية، فإن كان التأهل لدور نصف نهائي كأس العالم للأندية ملحمة مغربية خالصة فإن الفوز على أتلتيكو منيرو البرازيلي بمراكش موطن الفرح والبهجة والتأهل للمباراة النهائية للمونديال سيكون سمفونية أطلسية ولا أروع.

نثق في أبناء الرجاء ونثق أيضا أن للحكاية الخضراء على مسرح العالمية والإبداع فصولا أخرى لم نعشها بعد. 

..............................................................................................  

فعلت الجماهير المغربية ما كان يمليه عليها واجب العروبة والضيافة عندما حضرت مساندة للاعبي الأهلي في مواجهتهم للمدمر الصيني غوانغزو الذي قال بمطلق العبارة أنه لم يكن متوجا بالصدفة باللقب الأسيوي، فهو يمثل بالفعل هذا الصعود الصاروخي لكرة القدم في الشرق الأسيوي الذي لا تغيب عنه الشمس.

وفعل لاعبو الأهلي ما يمليه عليهم واجب الدفاع عن الكرة الإفريقية التي إعتمدتهم للمرة الخامسة لتمثيلها في كأس العالم للأندية وما يلزمهم به الدفاع عن مرجعية فريق القرن بالقارة الإفريقية، فما كان بمقدورهم أن يهزموا سوء الحظ الذي لازمهم في الجولة الأولى وهم يضيعون فرصا لا تضيع في محفل كهذا وإن ضاعت كان العقاب شديدا، ولا كان بمقدورهم مهما فعلوا ومهما إجتهدوا وكابروا أن يحدوا من آثار غياب التنافيسة للمحنة التي تعيشها الشقيقة مصر جراء الخلافات السياسية التي أوقفت النشاط الكروي منذ موسمين تقريبا، بخاصة عندما يكون للمنافس غوانغزو الصيني مدرب بقيمة ومرجعية الإيطالي مارتشيلو ليبي الذي إن فطن لحالة ضعف ووهن في الفريق المنافس قطعه ومزقه إربا إربا.

أبدا لن ينكفئ الأهلي ولن ينهار لأن له بحكم المرجعية مناعة ضد السقوط المجاني، لذلك سننتظره جسورا ومعاندا وهو يلعب مباراة ترتيب المركزين الخامس والسادس هذا الأربعاء أمام مونتيري المكسيكي الذي ما زال يعيش تحت وطأة الإقصاء الحزين أمام الرجاء.

مواضيع ذات صلة