لماذا ضاعت الهوية؟

أثارتني حماسة الإطار التقني محمد رباح منذ أول يوم إلتقيته بالدوحة خلال إحدى زياراتي لها، الحماسة التي تستأثر بكل إطار يريد أن يفلسف كرة القدم ويخرج بها من النمطية ليلبسها جلباب العلمية، ولا أخفيكم أن الأمر كان ممتعا لكون الجلسات بطابعها الودي تنقلت بسلاسة كبيرة بين مواضيع كثيرة بمشترك كبير هو هوية كرة القدم المغربية الضائعة أو المفقودة وبزاوية رؤية واسعة لا تقف عند الظواهر ولكن تفتتها في محاولة لفهم كنهها.

وجدت أن الإطار المغربي محمد رباح المنتمي للمنطقة الشرقية والمتدرج باحترام كامل للمنطق العلمي عبر حلقات التكوين بمستوياته العالية، وجدته مصرا على أن نلتقي في كل مرة يسمع فيها بوجودي بالدوحة التي يعمل فيها موظفا لخبراته الكبيرة في مجال التكوين القاعدي ووضع الإستراتيجيات الرياضية في قطر التي تعدم وسيلة للإستنجاد بالكفاءات، أو عندما يأتي في زيارات قصيرة للمغرب، كالتي عرض فيها للكتاب الذي سيصدره قريبا عن هوية كرة القدم المغربية الأسبوع الماضي في أمسية تكريم الراقي والأنيق والإطار الكبير عبد الله السطاتي، والتي حال وجودي بالإمارات العربية المتحدة مدعوا لعيد الإعلاميين الرياضيين العرب السابع دون حضوري لها، وللأمانة يجب أن أعترف بأن كل لقاء جمعني بالإطار محمد رباح إلا ويكون معتركا غنيا لحوار عميق ينفذ إلى عمق الإشكاليات الكروية ليستنتج ما أصبح اليوم بديهيا في تحليلنا لواقعنا الكروي المثقل بالعشرات من أسئلة القلق.

وعلى قدر حماستي التي ليست إلا صورة مصغرة من حماسة الإطار محمد رباح لإعادة صياغة الأسئلة المرتبطة بحاضر كرة القدم الوطنية من أجل الوصول إلى مشروع إجابات تتطابق مع روح وجوهر العصر، فإنني ميال مثله إلى ضرورة رفع الحظر الذي نمارسه على البحث العلمي منذ زمن بعيد، ما أضاع علينا أولا فرصة الإرتباط بالزمن الحديث لكرة القدم العالمية وما جعلنا ثانيا ندخل على الدوام متاهات لا نعرف أبدا الخروج منها وما فرض ثالثا الوقوع في كل هذه الأخطاء الكبيرة البنيوية والتقنية والرياضية التي ينفرد بها مشهدنا الرياضي بشكل عام والمشهد الكروي على وجه التحديد.

إن مجرد طرح سؤال: أي كرة قدم يجب أن نلعب في محيطنا القاري لنضمن الإطلالة كل وقت على العالمية؟ يحيل بالضرورة على إشكالية الهوية، وهذه الإحالة تفرض إحاطة، ولا إحاطة تكون من دون العودة إلى المنهج العلمي في ترتيب الأسئلة وفي الكشف عن خصوصيات النجاح الذي تحقق للكرة المغربية على فترات متباعدة وفي استباق المرحلة القادمة.

إننا بموجب هذه العلمية في التعاطي مع الشأن الكروي نهرب من الإنطباعية ومن التوليد الغريب لوهم الريادات والزعامات ونقف على متناقض كبير يكمن في أننا بلد له القدرة طبيعيا وجنينيا على الإبداع وعلى إنتاج عدد كبير من المواهب والخامات الأولية ولكن ليست له القدرة على أن يحقق قاريا وعالميا نجاحات رياضية منتظمة توازي على الأقل ما تحققه دول أقل قدرة على إنتاج المواهب منه، والوقوف على هذا المتناقض لا بد وأن يكون مدعوما بكل الأسلحة العلمية من منطق مقارن إلى منطق إستدلالي وإلى منطق تحليلي تستقيم فيه الإستنتاجات لكي نوجد له علاجا جذريا.

وقد إنتهى الإطار محمد رباح عبر تحليل أكاديمي كما إنتهينا نحن منذ مدة، إلى أن سؤال الهوية الذي يجب أن يشكل على الدوام كنه الحوار العلمي بين المدربين والخبراء في وضع الإسترتيجيات الرياضية، لا يمكن أن يكون له مكان لطرحه باحترام كامل لقواعد التحليل والنقاش غير الإدارة التقنية المؤسسة التي لا تحضر على الإطلاق بكل التقاليد والمواصفات العلمية سواء داخل الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم أو داخل الأندية، حتى لم يعد غريبا أن تضيع الهوية ويتبدد التطابق وتنتحر كل الآمال في مشاهدة كرة قدم وطنية معافاة، متماسكة وملقحة ضد التعفن وضد العودة البشعة إلى نقطة الصفر.

إن الخيار الوحيد للخروج من حالة الشتات التي تعيشها كرة القدم والعثور على الهوية الضائعة هو الإحتماء مؤسسيا بالإدارة التقنية وبالأنماط الحديثة في التدبير، فكما أن التعامل بفكر المقاولة العلمي باحترام كامل للخصوصيات المغربية الإقتصادية والسوسيو رياضية يفضي لا محالة إلى بناء أندية رياضية بهوية مغربية، فإن تنزيل إدارات تقنية على مستوى الجامعة وعلى مستوى الأندية باحترام الجوهر والحدود سيكون بداية فعلية لاستعادة الذاكرة المفقودة ووضع أساسات جديدة للهوية الكروية التي لا تقطع مع الماضي ولكنها تأخذ منه ما يعينها على مواجهة الحاضر الواسع والمستقبل المترامي.

هكذا فهم عبد الله السطاتي ومن رافقه في وقته من كوادر فنية وقامات باسقة في مجال التأطير، كرة القدم بوحي مما تعلموه لاعبين ومكونين في محراب العلم بأوروبا، فأعطوا للكرة المغربية على مدار عقود هوية إحتمت بها لتحقق ما يحفظه التاريخ الإفريقي والعالمي من إنجازات كانت ستكون بنسب مضاعفة لو إقترنت وقتذاك بالعلم والحكمة في التدبير، وهكذا يجب أن يفهم كل من يتولون اليوم أمر إدارة كرة القدم رسالة محمد رباح وغيره من الأطر المشبعة بالفكر العلمي لاستعادة الهوية الضائعة.

 

بدر الدين الادريسي

مواضيع ذات صلة