كثيرا ما تهف روحي إلى نفائس الشعر العربي، ما أحفظ منه على الأقل، لأستنجد بجمالية التصوير ودقة التعبير في المتن الشعري العربي لأسقطها على ما يمر من أمامي من أحداث، وهي كثيرة وعلى كثرتها فهي غزيرة بالمعاني، وقد وجدتني ألجأ بشكل تلقائي لا تكلف فيه، إلى بيت شعري خالد وعميق لأسطورة الشعر العربي أبي الطيب المتنبي، يقول فيه:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
وأنطقت كلماتي من به صمم
بالقطع لن أجد بيتا شعريا بروعة المجاز والتشبيه وبدقة التعبير لأصور حالة الشموخ التي كانت عليها مدينة العيون حاضرة الصحراء المغربية العزيزة وهي تنظم بعلامة التميز الكاملة فعاليات البطولة الإفريقية 32 للأندية الفائزة بالكأس، فما كان من براعة في التنظيم ونجاعة في تدبير حالة الإحتباس التي كانت عليها البطولة وحفاوة هي من أصل شعبنا الصحراوي الطيب، يقول فعلا أن العيون جعلت كل من أتوا إليها متوجسين يعيشون لحظات فرح تمنوا لو أنها لم تنته، وأسمعت بما فعلت وبما تجندت له في زمن قياسي من صم أذنه ذات وقت عن الحقيقة الماثلة أمام العيون والتي لا تزويق ولا تنميق فيها، حقيقة العيون التي تجرى في ربوعنا الصحراوية العزيزة لتغمرها أمنا وسلاما وبركة وتحديا أيضا.
كان من المفترض أن تستضيف الحمامات بتونس الشقيقة هذه البطولة وفق ترتيب سابق، لولا أن الهواجس الأمنية عارضت هذا التنظيم في آخر لحظة، فكان لا بد من حل سحري يحفظ للبطولة صيرورتها وزمنها المعلن، فجاء هذا الحل السحري من السيد حنفي عدلي رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة اليد الذي اقترح تصدي مدينة العيون لتنظيم الحدث الإفريقي، وبعد أن حصل على الموافقة من المكتب التنفيذي للإتحاد الإفريقي لكرة اليد، كان لا بد من إعلان حالة طوارئ كبرى بتعبئة غير مسبوقة جعلت الجامعة وكل مكونات مدينة العيون تربط الليل بالنهار، لتكون العيون قلعة التحديات جاهزة في أقل من شهر لاستضافة الحدث الرياضي الكبير.
وبرغم أن حالة الطوارئ كانت تكفل للمغاربة أدبيا كل العذر في حدوث نشاز على مستوى التنظيم، إلا أن سلطات العيون والجامعة الملكية المغربية لكرة اليد سيحققان أصعب ما في المعادلة، تقديم النسخة 32 للبطولة الإفريقية لكرة اليد بأجمل صورة ممكنة، بل إنها بشهادة من إنبهروا وافتتنوا بروعة ودقة التنظيم وحفاوة الإستقبال ونخوة وشهامة المغاربة، أصبحت قاعدة عليها يقاس نجاح البطولات الرياضية في قارة إفريقيا التي تعوزها الإمكانات لتنظم أحداثا رياضية كاملة الدسم.
إستمعت شخصيا لشهادات صادقة صدرت عن أناس وازنين أتونا من دول إفريقية عديدة، وحتى من تلك التي عرفت بمعاداتها لقضيتنا المقدسة، وأشعرني بالفخر أن المغرب في حمأة التواطؤات والإنزلاقات والمؤامرات التي ينسجها بكل صفاقة أعداء وحدتنا الترابية، إستطاع أن يرسل لمن يهمهم الأمر من الواهمين ومن الحاقدين ومن المتحايل عليهم رسائل واضحة تضحد كل الإدعاءات وتفضح كل الأكاذيب، رسائل تقول أن العيون إسوة بكل حواضر الصحراء المغربية تعيش في أمن وأمان وفيها تتواصل مسيرة الإعمار والنماء، وأهلها الطيبون لا يطيقون فراقا عن مغرب يجرى حبه في عروقهم مجرى الدم.
وكانت أروع هذه الرسائل التي تستحق اليوم أن تكون موضوع دراسة على مستوى الحكومة، أن العيون تجهزت في زمن قياسي لاستضافة بطولة أطرافها 18 ناديا ذكورا وإناثا بقاعاتها الثلاث وأيضا بمرافق الإيواء التي لم تترك أي مجال للتشكيك في القدرات.
نهنئ الجامعة الملكية المغربية لكرة اليد برئيسها عدلي حنفي على أنها كسبت الرهان الصعب وأنجحت تحديا تاريخيا، ونهنئ كل السلطات المحلية التي قالت بصريح العبارة، لا مستحيل في المغرب، ونهنئ أهل العيون على مساهمتهم في إنجاح البطولة بنخوة وأصالة الترحيب بالضيف، وننتهي إلى أن كل الأصداء الرائعة التي تتردد اليوم في إفريقيا حول الإستضافة الرائعة للعيون لبطولة الأندية الفائزة بالكأس هي دليل آخر على الدور الذي تلعبه الرياضة في منظومة الديبلوماسية الموازية.