«الكاف» أمام مسؤولياتها

من يشك للحظة واحدة في أن الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم بأجيالها المتعاقبة على مراكز القيادة قاومت تحرشات وتوريطات وتهديدات من أجل أن تحتفظ للمونديال الإفريقي بهويته، ولكي تبوأه المكانة التي تليق به في المشهد الكروي العالمي، إلى أن غدا ثالث أهم احتفال كروي كوني بعد كأس العالم وبعد بطولة أوروبا للأمم.
قطعا نفتخر أن كأس إفريقيا للأمم انتصرت لكبرياء قارة وأبدا لم تنحن أمام رياح كثيرة هبت عليها، ونفتخر أن هذه البطولة التي تحيي اليوم بالغابون الذكرى الستين لميلادها قد كسبت الكثير من الرهانات، إلا أننا باسم إفريقيا نبدي الإعتراض الكامل على العبث الذي يصيب البطولة فيصدر عنها صورة لا تتناسب وما يبذل حقيقة من جهود من أجل تطوير كرة القدم الإفريقية. 
ما من أحد يعترض على الشعار الذي رفعته الكونفدرالية الإفريقية منذ أن إعتلى رئاستها الكامروني عيسى حياتو قبل نحو ثلاثين سنة هنا بالمغرب على هامش النسخة الوحيدة المنظمة عندنا، من أن كأس إفريقيا لا يمكن أن تكون فقط لحظة للإحتفال والتباري وإبراز الموهبة الكروية الأصيلة للاعبين الأفارقة، ولكنها تصبح بالفعل عنصر تنمية مستدامة، كأس تجوب القارة من أجل تطوير البنيات التحتية الرياضية ومن أجل إنعاش دول عانت كثيرا من أجل أن تخرس أصوات المدافع وطبول الحرب وتحارب آفة الجوع، إلا أن هذه الشعارات على بلاغتها وإنسانيتها لا يمكن أن تكون على حساب صورة تصدرها إفريقيا عن نفسها من خلال كأسها القارية، صورة تعكس الملامح الجديدة للقارة وتسوق البطولة بأقوى صورة، فلا يمكن أن تأتي كأس إفريقيا للأمم خلف بطولة أوروبا للأمم ويكون فارق المداخيل والعائدات المالية شاسعا وكبيرا يستحيل معه أي فارق، لا يمكن أن نقول أن هذه الكأس وجدت من أجل الأفارقة ومبارياتها اليوم تعرض على التلفزات الوطنية بمبالغ خيالية.
قد لا أسأل لماذا تصر الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم، على أن ينظم المونديال القاري مرتين في دولة واحدة في أقل من 8 سنوات، كما كان الحال مع غانا ونيجيريا وغينيا الإستوائية والغابون في تعارض كامل مع روح وجوهر المقاربة التي جاء بها حياتو، ولكنني أتساءل عن الضمانات التي تحرص عليها الكونفدرالية الإفريقية من أجل أن تجرى البطولة في ظروف تساعد اللاعبين على الأداء الجيد وتحفظ أمنهم الرياضي، فما شاهدناه من ملاعب المباريات بالغابون، بأرضياتها السيئة ومرافقها التي لم ينته العمل بها في الآجال الزمنية الموضوعة لذلك، وما تهيئه مدن التباري من مرافق إقامة وإيواء لا تفي بالغرض، يفرض أن نسأل عن الضوابط التي تفرضها الكاف على الدول المستضيفة للبطولة، فعند مطالعة الشروط الصارمة التي يفرضها مثلا الإتحاد الأوروبي لكرة القدم على الدول التي يعهد إليها بتنظيم البطولة القارية، ندرك مدى الحرص الكبير الذي يبديه المنتظم الكروي الأوروبي، من أجل تأمين كل ظروف النجاح لهذه البطولة، سواء تعلق الأمر باللاعبين أو بالإعلاميين أو حتى بالجماهير.
لقد تابع كلنا كيف أن مدربي منتخبات المجموعتين الثالثة والرابعة إستاؤوا من أرضية ملعبي أوييم وبورجونتي، ولا خلاف على أن تردي الأرضية قلص من حجم الفرجة، وبينما كنا نتطلع أن تصحح الكاف خللا إستراتيجيا وتسحب مباراة مصر والمغرب من ملعب بورجونتي ضمانا لسلامة اللاعبين وحفظا لصورة البطولة من مزيد من الخدش، إذا بها تصر على إجرائها في ذات الملعب إمعانا في العناد.
تحتاج كأس إفريقيا للأمم إلى منظور جديد يضمن لها مواصلة التطور، ويحميها من كل أسباب الهدم الذاتي حتى تقوى على تحمل كل أسباب التعرية.

 

مواضيع ذات صلة