مونديال عابر للقارات

نجزم على أن الصدفة هي التي قادت جاني إينفانتينو ليجلس على قمة الهرم الكروي العالمي، رئيسا لمؤسسة الفيفا، فما قاده لهذا المنصب الرفيع خريف أشبه بالصقيع أسقط الكثير من الأوراق وعرى العديد الفضائح وكان أكبر الضحايا هو الثعلب جوزيف بلاتير، ومع الجزم بوجود هذه الصدفة في وصول إينفانتينو إلى رئاسة الإتحاد الدولي لكرة القدم، فإننا نعترف لمن كان يتحرك في ظل الفرنسي بلاتيني المعاقب بتمرده على بلاتير، أن ما يصممه اليوم داخل الفيفا لا ارتباط له بالصدفة، إنما هي ثورة مبرمجة.
لا يهم إن كان ما يكشف عنه اليوم إينفانتينو، هو من تركة بلاتيني الذي كان يعد العدة للوصول إلى سدة الفيفا وبين يديه الكثير من المفاتيح السحرية، إلا أن المهم هو أن ما نقف عليه اليوم من ابتكارات ومن قرارات سيغير الكثير من تضاريس كرة القدم العالمية، وسيذهب بنا إلى فضاء أكثر تحررا ليلبس كرة القدم جلبابا يليق بالثورة التكونولجية التي يعيشها العالم اليوم.
أطلق إينفانتينو في حمأة حملته الإنتخابية إلى جانب الدعوة لتخليق مؤسسة الفيفا والتصدي لغارات الفساد المنطلقة من كل الجحور، فكرة خلاقة تقول بالزيادة في عدد المنتخبات المشاركة في نهائيات كأس العالم، لتصل خلال نسخة 2026 إلى 48 منتخبا بدلا من 32 منتخبا، والزيادة في عدد المنتخبات ليس القصد منها فقط تنمية العائدات المادية بالنظر إلى أن كأس العالم هي أكثر التظاهرات الدولية جلبا للمال، ولكن الغاية المثلى من هذه الزيادة هي تحقيق نوع من العدالة الرياضية، حتى يكون حدث المونديال ممثلا على الأقل بربع الدول المنضوية تحت لواء الفيفا.
وبرغم أن أصحاب التيار الكلاسيكي رأوا في هذه الزيادة المفرطة، بداية فعلية لتمييع الحدث الكروي الأكثر مشاهدة في العالم، سعوا إلى نصب المتاريس ورفع اللاءات وكشف جيوب المقاومة، إلا أن مجتمع كرة القدم المقتنع بالدفوعات وبالغايات الظاهرة والمبطنة التي قدمها إينفانتينو، سيعلن من خلال الجمعية العمومية للفيفا قبوله بهذه الزيادة اعتبارا من نسخة 2026.
والحقيقة أن الرفع من عدد المنتخبات الحاضرة في النهائيات بنسبة الثلث، لم يكن إلا مقدمة لمشروع ضخم وكبير حضر له إينفانتينو بدقة متناهية مع فريق عمل، مشروع يرمي إلى عولمة كأس العالم، فما الذي تعنيه عولمة تظاهرة كروية أخذت منذ يوم ولدت في ثلاثينيات القرن الماضي بعدا عالميا؟
وما هي الوسائل المتاحة لتنزيل هذه العولمة؟
بالقطع ما كان لإينفاتينو ولفريق عمله أن يتحمس للرفع من عدد المنتخبات المتأهلة لنهائيات كأس العالم بنسبة الثلث، إلا لأنه استشعر حاجة هذه المنافسة الأرقى والأرفع الماسة، لأن تدعم كونيتها وتتطور في العمق وفي الظاهر مواكبة لحال عصر لا تدوم فيه المؤسسات ولا العلامات ولا التظاهرات على حالها، فقد حولت تكنولوجيا الإتصال عالمنا المترامي إلى قرية صغيرة فما الذي يمنع كأس العالم لأن يصبح في قبضة كل العالم. 
لكل هذا فإن إينفانتينو يحلم بمونديال يجتذب الكثير من دول العالم، ولماذا لا يقام مثلا في إثنين أو ثلاثة أو أربعة دول في العالم؟ ولماذا لا يقام في قارتين أو ثلاث؟
ما كان يبدو بالأمس القريب ضربا من المستحيل لوجود الكثير من الإكراهات ذات الطبيعة اللوجيستيكية، قد يصبح اليوم ممكنا وقد باتت الشركات المتعددة الجنسية تعمل وتسير وتجتمع مجالس إداراتها بالتواصل على الأقمار الصناعية، لذلك قال إينفانتينو في تصريح أكثر منه تلميحا أن كأس العالم 2026 إن لعب بـ 48 منتخبا، فما الذي يمنع من إقامته بأكثر من بلد وفي أكثر من قارة؟ ما الذي يمنع من عولمة المونديال؟

 

مواضيع ذات صلة