أحمد مكرر الدرس الأكبر

في مسار الطغاة روايات ودروس وعبر وحكايات، ومن لم يتعظ بدروس التاريخ من صلافة فرعون لغاية جبروت شمشون، كان لا بد وأن يتتابع فصول الربيع العربي وثقلها ثورات ما بعد الحرب الكونية الثانية وهي تطيح بصوت والشارع وبسيف الديموقراطية وإرادة الشعب بمن أرادوها كراسي خالدة وساروا في ركبانها ولو بتحدي الطوفان.
وتحكي الأساطير أن الطغاة حين لا ينحنون أمام العواصف وحين يستبد بهم جنون العظمة وحين يديرون ظهرهم لدورة التاريخ وما يفعله الدهر ويفشل في مداواته العطار، فإن نهايتهم تحمل على تراجيديا قبيحة وتصيب حتى من يكرهونهم ومن لا يتقاسمون معهم نفس الأفكار بالشفقة على مآلهم.
في السياسة هناك من انتهى مشنوقا ومن عاش ويعيش منفيا ومن تم سحله في بالوعة ومجرى المياه ومن وئد في غار ومن قضى ما تبقى له من غرة عمر خلف القضبان ومن ومن ومن.
في الرياضة الأمر لا يختلف  كثيرا، وكما تحمل رياح التغيير في السياسة وجوها مغمورة إما أنها اشتغلت أجيرة أو تابعة مطيعة خانعة لفخامة الرئيس السابق، فصارت اليوم حاكمة، فقد حملت رياح الربيع في شهر الربيع تغييرا تاريخيا غير خارطة دولة الكاف، كما عبث نفس التغيير بخارطة إمبراطورية الفيفا وأعقبها بسقوط مملكة اليوفا.
الفرنسيون يقولون أنه لا اثنان من دون ثلاثة، فكان لا بد من ثالث يعقب «الباءين البلاءين» بلاطر وبلاتيني، والدور حل على عيسى حياتو الذي كان بإمكانه أن يغادر بطريقة أفضل تليق بفخامة المقام الذي يحظى به في حاضرة القطن بالكامرون، ولا تلفظه بطريقة موحشة لم يكن يستحقها، وإن كان قد خمنها فلم يتوقعها أن تكون على يد مسؤول كروي متواضع لبلد مغمور كرويا إسمه مدغشقر.
كان بإمكان حياتو وقد نال منه الزمن وحقق للكرة الإفريقية ما حققه من مكاسب كبيرة، أن يغادر كبيرا شامخا بأريحية كانت ستجعله استثناء ومرجعا ولربما علما من أعلام وأقطاب التسيير الكروي بتسليم المفاتيح والأختام لمن يخلفه، لا أن يترك رقبته تحت رحمة الصندوق الغادر والتحالفات السرية ولرؤساء اتحادات آمن حياتو ذات مرة أنهم لن يشقوا له عصا الطاعة بعد أن أكلوا في رحاب كفيه.
أن يصل أحمد أحمد أو أحمد «مكرر» كما صار يسمى عند الفرنسيين «أحمد بيس» لحكم الكاف، فهو الرسالة التي وجهت عبر حياتو  للعالم، وهي أنه يضع سره في أضعف خلقه، وعلى أنه توقع أن ينقلب عليه مثلا راوراوة أو سيكوتو باتل أو حتى كامارا ولربما بوشماوي،  لكنه ما أيقن أن من سيسحب منه الصولجان هو نفسه أحمد الملغاشي الذي كان لا يجرؤ في حضرة اجتماعات حياتو على الحديث والكلام المباح ما لم يرفع أصبعه وينتظر إشارة ليتكلم أو حتى ليتنفس وسماه البعض لما تجرأ على الترشيح بـ «أحمد المنتحر» فتحول للمنتصر.
منذ وعيت على الكرة الإفريقية حق الوعي كما أدركها أبناء جيلي هذا من الإعلاميين وجدنا حياتو رئيسا للكاف، وفي فترة من الفترات ترسخ في ذهنا وذاكرتنا أن الكرة الإفريقية والصافرة الإفريقية والكؤوس الإفريقية لا يمكنها أن تعثر على مكان ولا أن تستظل بظل ما لم يشر لها حياتو بطرف البنان، محددا البوصلة والمكان وحتى الزمان بكل الكاريزما وحتى السحر الغريب الذي كان للرجل.
وجدنا اختلافا كبيرا في التقييم، هناك من يربط الرجل بالمغرب صديقا وقد انبثق للحكم الكروي من بلادنا ونال هدية الترسيم يومها على حسابنا بأن عاد لبلاده وقد غنم الحسنيين، كأس إفريقيا وكرسي الرئاسة بعد مجزرة تحكيمية لحكم معتوه ما أمره أحد لكنه آثر في سنوات الرصاص الكروي منح حياتو هدية المنصب بقربان الأسد.
وهناك من قال أن دماء حياتو مغربية، كيف لا والرجل وجد في المغرب الملاذ للإستشفاء وتصفية الكلي ومستحيل من ينعم بهكذا فضائل أن يغدر الدم الممدود له.
وهناك من قدم وبالدليل عكس كل هذا وأكد أن الرجل لم يهادينا ولا هو تبرع علينا بزكاة، بل يوم الفصل الموعود شحذ عيسى سكينه وحاول غرزه في كرتنا المغلوب على أمرها بإصدار حكم إعدامها في محاكمة صدر فيها الحكم قبل التداول.
أحمد مكرر هو نتاج لـ «إيبولا»، لأن إيبولا هاته التي لم يؤمن بها حياتو وصنفها كذبة مغربية هي التي ضربه فيروسها، يوم قرر ما قرره بنادي الصنوبر رفقة حليفه راوراوة، فتقرر من يومها أن ترسم خارطة طريق وتطبخ طبخة الإجهاز عليه على نار هادئة وبذهاء كبير وبشعار «السن يضحك للسن».
حياتو ترأس دولة الكاف الغنية التي تنسحب اليوم منتخباتها كرويا من شدة الفقر، سقط في المحظور لينقلب عليه الرافضون لصدقة جارية قدرها 50 ألف دولار وأصدروا بحقه مرسوما ينهي سطوة حاكم وينصب بدلا عنه أحمد مكرر ولو كان  قادما من شبه جزيرة ولم يكن له قبل هذا في الكاف ذكرى أو أثر.
وصدق أحمد مطر حين قال في نثر ساخر: نحن لسنا فقراء.. بلغت ثروتنا مليون فقير.. وغذا الفقر لأمثالنا.. وصفا جديدا للثراء.. وحده الفقر عننا أغنى الأغنياء.. فشكونا أمرنا عند ولي الأمر.. فنادى الوزراء.. وجمع الخبراء..... ثم بعد الأخذ والرد صباح مساء.. أصدر الحاكم مرسومه بإلغاء الشتاء..

 

مواضيع ذات صلة