عذرا زميلي بدري

ما كنت ميالا ولا راغبا في الحديث عما جمعني ويجمعني إلى اليوم بالزميل مصطفى بدري، فقد كنت أعتبر ذلك ملكية إنسانية وعاطفية خاصة لا يجدر بأي كان أن يقاسمني إياها أيا كانت المغريات، وأخاله مثلي لا يقول إلا ما تجيزه أدبيات الحديث، إلا أنني قررت اليوم أن أرفع الحظر المفروض على خصوصية العلاقة الروحية والمهنية بيني وبين الزميل مصطفى بدري والتي تمتد إلى ما يقارب الأربعين سنة، بعد الذي شاهدته وسمعته بأديس أبابا خلال إحتفاء الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم بالذكرى الستين لتأسيسها.
كان الزميل مصطفى بدري الذي أهلته كفاءته الإعلامية وحكمته الكبيرة ليكون لأكثر من عشرين سنة عضوا كامل الفعالية باللجنة الإعلامية للكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم، يقف على منصة التكريم، تحتفي «الكاف» بكفاءته قبل وفائه بفروسيته قبل حكمته، وبرغم ما باعدني عنه من مئات الأميال، فقد شعرت بالفعل أنني أنا من يكرم من عائلة كرة القدم الإفريقية لقاء ما جرى تسديده من خدمات من موقع الإشتغال، وهذا الشعور الذي حاولت إخفاءه في زمن يحسن فيه البعض تحويل الكلمات الصادقة إلى نيران تحرق البيوت والعلاقات، عبر عنه بتلقائية كبيرة الزميل بدري عندما صاغ الزميل العزيز والمبدع سفيان الراشيدي في برنامجه «100/ 100 أسود» على قناة «الرياضية» تقريرا ملحميا يعبر عن أصالة ونظافة الرجل العارف بقيم الزمالة المهنية، قال بدري أن التكريم هو تكريم للمغرب ولكل الإعلاميين المغاربة ولجريدة «المنتخب» وأبدا ما خانه التعبير ليقول أن التكريم هو تكريم لشخصي المتواضع، بالنظر لما كان لي ولله الحمد من تأثير كبير في المسار الصحفي الرائع والفريد من نوعه لمن أسميته بسندباد الصحافة الرياضية الوطنية، لمن قلت أنه تمتع بعصامية أبناء جيلنا المشترك، ولمن كان يقول عني دائما توأم الروح والأخ الذي لم تلده له أمه.
لم تكن السفريات التي لا تعد ولا تحصى هي المشترك الكبير مع الزميل مصطفى بدري، لم يكن إشتغالنا معا في مجلة الصقر القطرية في ثمانينيات القرن الماضي، ولا تأسيسنا لجريدة «المنتخب» قبل ثلاثين سنة، هو كنه ذاك الوصال الذي لا ينقطع، بل كان المشترك هو أننا أسسنا لحاضر ومستقبل مشترك توافقنا عليه بلا شروط مسبقة، لم يقف عند هواجس ومتاعب الصحافة ولكن تعداه إلى مجال أعمق، إلى التلاحم العاطفي والوجداني الذي يرقى فوق كل الماديات ليسمو بالعلاقة إلى المرتبة التي لم تستطع على مدى أربعة عقود كل التحرشات والمؤامرات أن تنال منها، فقد كانت تلك العلاقة مؤسسة على الصدق والوفاء، كانت تلك العلاقة محمية من الله سبحانه وتعالى.
إن السفر الرائع والجميل الذي وقعنا عليه من دون أن يخطئ أحدنا في حق الآخر، برغم ما كان وسيكون من مناوشات هي من صميم الهم الذي نحمله سويا، هو إرث إنساني ومهني وأخلاقي يترك للوطن وللأبناء لما يحمله من قيم رفيعة، فقد توافقنا على أن «المنتخب» الجريدة هي ملك للوطن، ومن يجرؤ على أن يساوم في ما هو ملك للوطن؟ وتوافقنا في عز الأزمات على أن لا نقفز من المركب بمنتهى الجبن لنريح الأعصاب، توافقنا على أن نحمي الظهر والوجه من آثار العدوان المالي، وكنا في ذلك نستحضر الوطن ونحن من يرى «المنتخب» محمية من محميات صحافة الوطن، وتوافقنا على أن لا نزايد في نجاحات «المنتخب» ولا في انتكاساته، وتوافقنا على أن لا ننصب جدارات للتباكي طلبا للإستجداء، وتوافقنا على أن نؤثر على أنفسنا ولو بنا خصاصة.
أظن أنني أفرجت عن كثير مما كنت أعتبره ملكية عاطفية ووجدانية خاصة ومحظورة، ليعذرني الزميل مصطفى بدري، على أن أكون فعلت ذلك من طرف واحد، فعذري أنني رأيت في تكريمه من المؤسسة الوصية على كرة القدم الإفريقية، تاجا يوضع على رأسه ورأسي، لقد أنطقتني السعادة وأنطقني الصدق الذي ما غيره في حياتي.

 

مواضيع ذات صلة