بصرف النظر عما إذا كان هناك إجماع على بقاء وليد الركراكي على رأس العارضة التقنية للفريق الوطني، أو على رحيله، أربعة أشهر من دخول الأسود الإمتحان المونديالي، دفاعا عن رتبة رابعة تاريخية في كأس العالم، فإن ما يحدث حول الفريق الوطني، أو بالأحرى ما يتم المتاجرة به وإشاعته بإسمه، يتطلب تدخلا حازما من الجامعة قبل وليد الركراكي بنفسه، لرفع اللبس ومصادرة حالة التوهان التي دخلناها رغم أنوفنا.
بعد بلاغ النفي، الذي كذبت من خلاله الجامعة بشكل «خفيف جدا» خبر تقديم وليد الركراكي استقالته من تدريب الأسود، خرجت الجامعة ببلاغ يخبرنا «رسميا»، بما قرأناه في عديد المواقع ووسائل الإعلام، وبينها «المنتخب» طبعا، من أن الفريق الوطني سيحضر مونديال أمريكا، بوديتين شهر مارس القادم أمام الإكوادور ثم البارغواي، في استنساخ كامل للطريقة التي حضر بها أسود الأطلس مونديال قطر 2022، عندما واجهوا وديا الشيلي والباراغواي في برشلونة وإشبيلية، أي بمحكين لاتينيين، وما كان هذا كافيا، ليخمد ألسنة الشائعات، والنار التي ترسل من حولنا دخانا كثيفا يحجب الرؤية.
القصد، أن تقطع الجامعة في موضوع الناخب الوطني، الشك باليقين، أن تقول بعد النفي، أن وليد الركراكي تجددت فيه الثقة، بل تم الإتفاق والتوافق على أن يستمر وليد في قيادة الفريق الوطني، لغاية الإنتهاء من كأس العالم 2026، وأعتقد أن هناك فارقا كبيرا، بين أن تنفي الجامعة تقديم وليد للإستقالة، وبين أن تعلن تجديد الثقة في وليد، لكي يواصل عمله كمدرب وناخب وطني، وبالتالي، ننتقل جميعا للتداول بشأن الصورة التي سيكون عليها الفريق الوطني بعد أن أخفق في تحقيق اللقب الإفريقي، هو من كان قاب قوسين أو أدنى من إنهاء عطش السنين الذي دام لأكثر من 50 سنة.
تركت الجامعة بالصيغة التي اختارتها للنفي، الباب مشرعا أمام العديد من التأويلات والكثير من التجرؤ على خصوصياتها، فقد أمعن الإعلام الفرنسي في تعذيب الرأي العام الوطني، من خلال إصراره برغم «نفي الجامعة»، على القول بأن وليد الركراكي وضع بالفعل إستقالته على طاولة رئيس الجامعة الذي هو أيضا رئيس لجنة المنتخبات الوطنية.
فمن أين للإعلام الفرنسي كل هذه الثقة لنفي النفي، وتأكيد فعل الإستقالة؟
هناك أمران إثنان، لهما ثالث يجب أن يأتي حالا.
أولهما، أن يكون الإعلام الفرنسي مناورا بالوكالة، أي أن يكون مدفوعا من وليد أو من وكيله أو من محيطه، لإشاعة خبر الإستقالة، لحاجة في نفس وليد ومن معه؟
أو أن تكون هذه مجرد تهيؤات، خيط إشاعات أمسك به الإعلام الفرنسي، وعندما أطلع على بلاغ التكذيب، تنطع وكابر وتمادى.
والثالث الذي يجب أن يأتي حالا، أن تسحب الجامعة من سماء الفريق الوطني كل الغيوم التي لبدتها، في توقيت، كان يجب فيه أن تصفو الأجواء والضمائر للإشتغال على ما هو أهم، دخول الفريق الوطني مرحلة حاسمة في الإعداد لكأس العالم، الذي يجمع الخبراء على أنه في طليعة المرشحين للتألق فيه، عطفا على مرتبته الرابعة في مونديال قطر، وعلى رتبته الثامنة في التصنيف العالمي وعلى وصافته لبطل إفريقيا.
والحقيقة أن هذا الذي يحدث لغاية الأسف، لا يبلبل الرأي العام الوطني فحسب، ولا يشوش على الفريق الوطني فقط، بل إنه يضعف الصحافة الوطنية، التي ما ضعفت وما تراجع أداؤها، إلا لأن طريقها للمعلومة مقطوع ومصادرها «مغيَّبة»، وهي بذلك تُتْرك أمام معضلتين كبيرتين، إما أن تلوك الإشاعات، وإما أن تحصل على أخبار فريقها الوطني من إعلام أجنبي، محمول على عدم المصداقية حينا ومخترقا حينا آخر.
ويجدر بي هنا أن أسأل بكثير من الوجع والحسرة على تردي الزمن الإعلامي، هل يستطيع الإعلام المغربي مهما بلغت براعته في الإختراق، أن يخبر الرأي العام الفرنسي بما يجري داخل منتخب الديكة؟ 
هل بمقدوره أن يخبر الرأي العام الإسباني بما يحدث داخل منتخب لاروخا؟
قطعا لا، لأنهم هناك مؤسسات وصحافة، يربطهم ميثاق مهني وأخلاقي ومواطناتي، يلزم المؤسسات بالإخبار، ولا يبقي حاجزا أمام الصحافة لتصل إلى المعلومة، أي أنها لا تصطدم بأفواه مكممة أو بهواتف معلقة.
عندما نعتز ونفخر بأن مغرب اليوم العابر للقارات والصاعد في سماء النماء، يبني ويشيد ويبدع بعقول وسواعد مغربية، فإن أفضل من يعبر عن هذه الإعتزاز والفخر، بقصص وحكايات ملهمة، هو الإعلام، الإعلام الذي يُبنى للمعلوم ولا يُبنى للإشاعات والمجهول.