ملك صادق أمين

لن أخرج عن كل التوصيفات التي وصف بها محللون وخبراء وقادة سياسيون الخطاب الملكي الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس لشعبه بمناسبة عيد العرش الذي يحفل برمزية كبيرة في تاريخ المغرب، فهو خطاب قوي بالدلالات طافح بالرموز وغني بالإشارات التي لا تخطئ، والتي تقول أن جلالة الملك لم ولن يتوانى أبدا في تنزيل مضامين الدستور المحين، كلما تعلق الأمر بمصلحة الوطن، وكلما كانت الحاجة ماسة لتقوية التماسك الإجتماعي وكلما قضت الضرورة بتحصين المكتسبات الديموقراطية والإنتصار لقيم الإنتماء وبخاصة الربط الموضوعي للمسؤولية بالمحاسبة.
لن أختلف على أن مبنى الخطاب وحمولاته يؤسسان لتوجه جديد في مقاربة وضبط تدبير الشأن الوطني، ولكنني مقتنع لحد الجزم بأن ما أتى به جلالة الملك في خطابه لغة ودلالة لم يختلف عن أي من الخطب التي خاطب بها جلالته شعبه منذ أن اعتلى عرش أجداده الميامين، منذ ثمانية عشرة سنة، ما دام أنه أسس هذه الخطب على الصدق والأمانة.
لقد عود جلالته المغاربة على أنه كان باستمرار وسيظل  صادقا معهم في القول والفعل،  وأمين عليهم وعلى بلدهم الذي قلده الله أمره، فكلما كانت هناك حاجة للجهر بالحقائق مهما كانت مؤلمة، إلا وكان جلالة الملك حريصا أشد الحرص على أن يقولها، وكلما كانت هناك حاجة للتدليل على الصدق في أداء الأمانة إلا وسارع جلالته لإعطاء أروع الأمثلة في مطابقة الأقوال مع الأفعال، وفي أن تكون الأفعال من جنس الأقوال.
وعندما ينتفض جلالته في وجه من تسول له نفسه المتاجرة بمصالح الوطن وعرقلة مسيرات النماء التي يخطط لها ويصل الليل بالنهار من أجل أن يؤمن لها المال والمناخ الصحي في معترك سياسي عالمي مشحون ومعقد، حتى لا أقول متشنج، عندما يستنكر جلالته كل المسلكيات اللامسؤولة التي تستهدف رخاء المغاربة وآدميتهم، فإنه ينطلق في ذلك من قيم الصدق التي جبل وتربى عليها، ومن موجبات تحمل الأمانة التي يقدرها حق قدرها. وليكون المغاربة صورة من صدق وأمانة ملكهم، فإنه يتوجب عليهم عبر كل القنوات القانونية التي ضبطها الدستور، أن يبادلوا الصدق بالصدق ويساعدوا ملكهم على أداء الرسالة، بالوقوف في وجه كل من تسول لهم أنفسهم العبث بالمكتسبات الوطنية، وعرقلة مسيرة المغرب الإنمائية بشتى مظاهر التفسخ والإنحراف وابتزاز الوطن.
إن إسقاط كل صنوف التعدي على حرمة ووحدة الوطن، هو من أوجب واجبات المواطنة الحقة، فمتى وقفنا في وجه الغش والرشوة والمحسوبية والمتاجرة بأحلام وبآلام الوطن أيضا، متى سقطت الأقنعة عن كثير من الوجوه المعادية لمصلحة الوطن ومتى تهاوى من حصونهم المنيعة المنتفعون والوصوليون والإنتهازيون، ممن لا يردعهم الوازع الأخلاقي ولا يحول الضمير الوطني دون شربهم دم المواطنين ودون متاجرتهم بسعادة المغاربة.
إن الإساءة للوطن وعرقلة المشروع التنموي لا تكونان فقط بالأفعال التي يؤتى بها علنا من دون تحريك لآلية العقاب، ولكنهما تكونان أيضا بالإحتماء بالوظائف من دون إضافة تذكر وبتحمل المسؤوليات من دون كفاءة تذكر ومن دون أن يقترن ذلك بالمحاسبة، ويجرني هذا الأمر المشين إلى ما يحدث في الرياضة الوطنية من ممارسات بغيضة ومن مشاهد يندى لها الجبين، أبطالها مرتزقة جيئ بهم إلى الرياضة بأغطية كثيرة فعاتوا فيها فسادا.
ولعل الصدقية التي قلت أنها كانت دائما أساسا لكل الخطابات التي توجه بها جلالة الملك إلى شعبه، قد برزت جلية واضحة في الرسالة السامية التي وجهها صاحب الجلالة الملك محد السادس للمناظرة الوطنية حول الرياضة قبل ما ينيف عن ثمان سنوات.
كان جلالته صادقا في الكشف عن حقائق الرياضة الوطنية التي دخلت منحى تنازليا بسبب الكثير من الإختلالات والمعيقات البنيوية والهيكلية، وأكبر هذه المعيقات أن المشهد الرياضي الوطني يعج بالإرتزاق، وأن خروجه من حالة الكساد والإفلاس يقتضى إزالة هذه الإختلالات وقطع الطريق على المرتزقين، وخلال السنوات الثمانية التي أعقبت المناظرة، صدق جلالته وعده، فقرن الأقوال بالأفعال عندما قيض للرياضة الوطنية بنيات تحتية على أعلى طراز، وإمكانيات مالية ضخمة رصدت للجامعات الجماهيرية ولرياضيي قطب الإمتياز، في مقابل هذا عجز المشهد الرياضي الوطني بكل فاعليه، لغاية اليوم عن لفظ وإسقاط المرتزقة والمتاجرين بعرق الرياضيين والنوادي.
لو نحن تحرينا عن بعض الجامعات لوجدناها خاضعة لأحكام التوريث والمصاهرة عيني عينك، ولو نحن رصدنا كثيرا من الأندية لوجدناها إما أنها تحولت لملكيات خاصة وإما أنها أصبحت أسيرة لدى المنتفعين، ولو نحن قيمنا مشروعنا الإحترافي الذي صرف عليه المال والجهد والسنوات لوجدناه قد إختنق بفعل غزو الهواء الفاسد، الذي يصدره المرابطون في قلاعهم المهترئة والرافضون للتغيير، ولو نحن نظرنا بعين محايدة للمشهد الرياضي الوطني لوجدناه صورة من العبث الذي إنتفض في وجهه ملك البلاد.
لا يمكن أن تبقى الرياضة في منأى عن كل القطاعات الوطنية التي يجب أن يعلن عليها المغاربة ثورة التخليق والتطهير، فالرياضة هي صوت وحلم الشباب، وهي فضاء للتربية على قيم المواطنة والنظافة ونقاوة الضمير، وأبدا لا يمكن أن يطول صمتنا على ما لحق رياضتنا من فساد وتخريب وإبتزاز، وإلا سنكون قد أخلينا بالواجب الوطني وبالبيعة التي تطوق أعناقنا جميعا، تلك البيعة التي تلزمنا بالوفاء لقيم الولاء، الولاء للوطن وللملك.

 

مواضيع ذات صلة