مات المايسترو..

ضرب المغاربة مساء الخميس الماضي زلزال بدرجة كبيرة على سلم الحزن والأسى برحيل الأسطورة والمعلم والفنان والمايسترو عبد المجيد الظلمي، من كان للإبداع رمزا ومن كان للإحتفالية الكروية فارسا ومن كان للنبوغ آية ومن مثل لتاريخ كرة القدم المغربية والإنسانية بشكل عام نهرا متدفقا من العطاء والبذل والسخاء.
ولأن المغاربة تعلقوا بعبد المجيد الظلمي، وقد ربطتهم بشخصه وشائج كثيرة، منها ما هو عشق ومنها ما هو تتيم ومنها ما هو انبهار بفيض العطاء الذي تميز به، فإنهم لم يصدقوا رحيل الأسطورة الصامتة، فراح كل واحد منهم يتحرى عن الخبر، وأكثرهم تمنى لو كان الخبر مجرد إشاعة، ليس لأنهم لا يرضخون لإرادة الله عز وجل الذي يقبض الروح متى شاء ويعيد النفس إلى بارئها كلما وافاه الأجل المحتوم، ولكن لأنهم لا يطيقون العيش من دون الظلمي، أو لأنهم لا يريدونه أن يموت، وقطعا من كان بأسطورية وهلامية وإبداع الظلمي لا يمكن أن يموت، لأنه يظل خالدا في السجلات وفي الذاكرة الجماعية.
لقد كان المشهد المهيب والموكب الجنائزي يحمل عبد المجيد الظلمي لمثواه الأخير وسط الآلاف من محبيه ومريديه، أكبر شاهد على المكانة التي طبعها الظلمي في قلوب المغاربة، وقطعا بهذا الحب اللامتناهي سيجازى عبد المجيد عند خالقه، فالله إن أحب عبدا جعل الناس يحبونه، ومع ما نستشعره من أسى على رحيل الأنشودة الرائعة في تاريخ كرة القدم الوطنية، فإننا نحتسبه عند الله عز وجل الكريم والرؤوف والرحيم بعباده، أم ما كان من سيرة الفنان، من حياته المليئة بالإبداع والحبلى بأروع صور الأنفة والإباء، فإنها ستظل حية بيننا، نتماهى بها كلما جذبنا الحديث عن مبدعي هذا الوطن، وننقبض كلما ساءلتنا الأجيال الحالية واللاحقة عن الذي فعلناه ونفعله برموزنا وبأساطيرنا الرياضية في حياتهم قبل مماتهم.
صدقا لا تطاوعني الكلمات لأكتب أمامكم نعيا عن عبد المجيد الظلمي، تماما كما كانت تعوزني البلاغة وقد كان لي فيها قدر يسير، لأصف تلك الروائع والإعجازات في الحركة والإبداع التي كان يأتي بها عبد المجيد الظلمي بما حباه الله من نبوغ.
ولو أنني ضغطت على نفسي لأكتب ما يشبه المرثية في الفنان الظلمي، لتعددت الزوايا، فإن تحدثت عنه من زاوية عاشق كرة القدم الذي كان يبحث لاهثا عن متعته في طفولته، لقلت فيه شعرا لجمال وروعة ما شاهدت، وإن تحدثت من زاوية الإعلامي الذي خصه الله مع أبناء جيله ليكون شاهدا على أجمل وأبهى عصور الرياضة الوطنية، لاعترفت بما كان يصيبني من عجز لوصف ما كانت تشاهده العين من المايسترو الظلمي وكل الأيقونات التي كانت تصاحبه في الزمن الجميل، وإن تحدثت عنه من زاوية إنسانية خالصة، لقلت عنه إنه الرجل الذي عاش في منأى عن الصدامات، لم يجاهر بالعداء لأي كان، ولا يسأل الناس إلحافا ولو كانت به خصاصة.
عاش الظلمي ومات عزيز النفس، أبيا، ممتلئا بالكبرياء وبالنخوة المغربية، بدليل أنه أبدا لم ينصع لكل الذين حاولوا أن يزايدوا بصورته وبمكانته في قلوب الناس.
لقد كان عبد المجيد الظلمي ثروة مغربية مؤممة، بدليل أنه لم يقبل بكل عروض اللعب خارج المغرب، وهو الذي ينفرد في تاريخ كرة القدم الوطنية، بأنه حضر مع المنتخبين الوطنيين اللذين صنعا أكبر إنجازين في تاريخ كرة القدم الوطنية، لقد كان فارسا من فرسان المنتخب الملحمي الذي فاز للمغرب بكأس إفريقيا للأمم الأولى والأخيرة حتى الآن في تاريخه سنة 1976 بأثيوبيا، وكان قائدا لمنتخبنا الأسطوري الذي صنع إنجاز العبور للدور الثاني لنهائيات كأس العالم بالمكسيك عام 1986، كأول منتخب إفريقي وعربي يحقق هذا الإنجاز. 
رحم الله المايسترو عبد المجيد الظلمي وأجزله خير الجزاء لما أعطى بسخاء لوطنه، وأنزله منزل صدق عند ملك مقتدر وأثابه وأجره على نية الحج التي عقدها قبل رحيله، وأعاننا جميعا، أسرته الصغيرة وأسرته الرياضية الكبيرة، على تحمل المصاب الجلل وهدانا الله إلى ما يرضي ضمائرنا بتخليد إسم عبد المجيد الظلمي إلى الأبد في الوجدان الجماعي المغربي، فله رحمة الله عليه فضل علينا جميعا، لا يمكن أن ينكره إلا جاحد والجحود ليس من شيم المغاربة.

 

مواضيع ذات صلة