المفاتيح السبعة

لم يكن الفريق الوطني ليبلغ ذروة الأداء الجماعي الذي به روض الأفيال بأبيدجان لأول مرة في تاريخ المواجهات الكروية المغربية والإيفوارية، ونال بعلامة التميز الكاملة تأشيرة العبور للمونديال، إلا بالتحام مجموعة مقومات ذات أبعاد مختلفة، ما لها وجه إستراتيجي وما كان لها طبع نفسي وما كانت لها خاصية تقنية وتكتيكية، لقد كان الفريق الوطني بحاجة لمن يستفز فيه القدرات الجماعية المنومة، لمن يعثر بالفطنة على أرقام التشفير ولمن يهديه المفاتيح التي تفتح الأبواب الموصدة، لذلك سنكون مخطئين إن نحن حصرنا إنجاز التأهل للمونديال والذي انتظره المغاربة بحرقة والتياع لعقدين من الزمن، في التدبير الرائع والنموذجي لمباراة أبيدجان والتي سنكتشف خلالها الوجه القوي الذي لطالما تمنينا أن يعرف به الفريق الوطني نفسه للمنافسين، إنه بالتأكيد أكبر وأبعد من ذلك كله..
لم يصل الفريق الوطني لمباراة أبيدجان الفاصلة والنهائية وهو يملك في الجيب معادلتين للتأهل لكأس العالم، الفوز أو التعادل، إلا بعد أن مشى متحملا وصابرا ومتحفزا كثيرا من الدروب الموحشة، بل إنه ما كان ليقرع الأجراس وينتزع بطاقة التأهل للمونديال، لو لم يحصل على المفاتيح السحرية والتي إهتدى إليها فوزي لقجع رئيس الجامعة بكثير من الحذاقة والمهارة الفكرية والتدبيرية، فما تكون تلك المفاتيح..
أول المفاتيح كان هو التعاقد مع الثعلب هيرفي رونار، فقد جيء به لتحمل مسؤولية الأسود في توقيت بالغ الحساسية، كان الزاكي بادو الذي جاوز بالأسود الدور التمهيدي لتصفيات المونديال بإقصاء غينيا الإستوائية في نزالين على طرفي نقيض، قد إستنفذ المطلوب، فللأمانة وضع الرجل القاعدة الأولى للهرم، لا أحد ينكر ذلك، إلا أن ما كان منتظرا من رونار هو أن يضع كل ما يحمله وعاء التجربة الرائعة في الأدغال في خدمة الفريق الوطني، وتذكرون أن أول ما قاله رونار وهو يتسلم من لقجع عهدة الفريق الوطني: «يجب علينا أن نجيب على سؤال واحد، هو لماذا لا يتطابق المنتخب المغربي مع ذاته؟»
وقد رصدنا كيف أن رونار فتح كل الخزائن السرية ونزل لكل الدهاليز ليفتش عن الحقيقة الضائعة، وقد إهتدى إليها، ويوم فكر في تلميع تلك الحقيقة وإزالة ما علق بها من غبار، وجد إلى جانبه فوزي لقجع يلين الحديد ويقهر المستحيل.
أما ثاني المفاتيح فهي نهائيات كأس إفريقيا للأمم والتي كانت بمثابة الكشف بالرنين المغناطيسي، عن مدى تجاوب الفريق الوطني مع الصعقة الكهربائية التي أحدثها بجسمه هيرفي رونار، لقد كان هناك سعارا يجب أن يقاس وشخصية يجب أن توضع قيد الإختبار، بخاصة وأن نهائيات الغابون سبقها دخول محتشم في تصفيات كأس العالم بالتعادل الأبيض أمام كل من الغابون بفرانسفيل وكوت ديفوار بمراكش.
وبصرف النظر عن أن الفريق الوطني نجح في عبور الدور الأول لنهائيات كأس إفريقيا للأمم بالغابون وهو الذي إستحال عليه ذلك في الأدوار النهائية التي أعقبت دورة 2004 بتونس، فإن ما أجملناه جميعا بـ «روح أوييم» دل فعلا أن أشياء كثيرة تغيرت داخل الفريق الوطني، الروح والهوية التكتيكية والشخصية المعبرة عن حقيقة الإمكانيات الذاتية.
لذلك ما تردد لقجع لحظة واحدة في تعزيز الثقة في رونار، لقد فعل ذلك بأن شرع في البحث عن المفاتيح الأخرى التي تساعد على فتح ما بقي من أبواب.
كان المفتاح الثالث هو طي صفحة الخلاف بين رونار وحكيم زياش، فقد كان رئيس الجامعة يدرك جيدا أن فنان أجاكس، ليس وحده من سيصنع الربيع، إلا أنه نظر إليه كقيمة مضافة وكأكمة تغطي قلاقل، الفريق الوطني في غنى عنها، لذلك جند ديبلوماسيته من أجل رأب الصدع، مؤمنا كل الإيمان أن زياش لا يزايد في حب وطنه وأبدا لم يندم برغم كل شيء على أنه أنصت لنداء القلب، وواثقا من أن رونار لا يمانع في أن يضع كل المؤثرات الإيجابية إلى جانبه لإنجاح الرهان، لذلك انقشعت الغمامة من أول لمسة وتصالح الرجلان بعد أن تعاهدا على الإنتصار لمصلحة الفريق الوطني.
وسيكون المفتاح الرابع، إستمرارا لإزالة بؤر الإحتقان وتنظيف المحيط من كل الشوائب، لذلك سيدعو لقجع رونار إلى لقاء حميمي مع رجال الإعلام بترتيب ورعاية منه، لقاء مصارحة ومكاشفة، عبر فيه الكل بسرعة قياسية نهر التماسيح، وشعر رونار أنه سيتسلح في معاركه الكروية القادمة برجال ونساء الإعلام ليوصل رسائل التعبئة والإستنفار، وقد أعطاه ذلك راحة نفسية صرفت عنه الكثير من الكوابيس.
أما خامس المفاتيح فهو الترتيب المتقن للمباريات الأربع الحاسمة التي ستقلب نتائجها الأمور رأسا على عقب وتحول الفريق الوطني من رقم ثان في معادلة الترشح إلى الرقم الأول، ويحسب للجامعة بتوجيه، بل وبإشراف مباشر من رئيس الجامعة بوصفة رئيسا للجنة المنتخبات الوطنية، أنه سهر على كل التفاصيل مهما كانت صغيرة، ما جعل الفريق الوطني يكسب نقاطا مهمة عن كل منافسيه في الكواليس قبل أن تطأ أرجل لاعبيه لأرضيات الملاعب، وقد كانت مباراة كوت ديفوار بأبيدجان مثالا على تلك المهارة والدقة في معاملة الأشياء كبر أم صغر حجمها وقيمتها.
وسيكون سادس المفاتيح هو هذا التفاعل الخرافي للجماهير المغربية مع فريقها الوطني لتعبيد الطريق نحو التأهل ومسح كل الألغام، فكم كانت دهشة رونار وأسود الأطلس كبيرة، وهم يلحظون تواجد ما لا يقل عن 50 ألف متفرج في مباراة مالي بمركب الأمير مولاي عبد الله بالرباط في يوم عيد الأضحى، ما أعطاهم أجنحة بها حلقوا ليسقطوا نسور مالي بسداسية ويشغلوا إفريقيا بروعة ما فعلوه.
وعلى الرغم من أننا تحسسنا جميعا المرارة، والفريق الوطني يهدر فرصة فوز كان في المتناول هناك بباماكو أمام مالي في جولة الإياب، إلا أن الجمهور المغربي جدد تواجده بذات الكثافة والحرارة في مركب محمد الخامس بالدار البيضاء يوم التقى الأسود منتخب الغابون وهزموه بثلاثية.
وشعورا منه بأن لحظة الفرح الجماعي باتت قريبة جدا، فإن هذا الجمهور معبأ من قبل الصحافة التي يثق فيها، سيتحرك نحو أبيدجان ليحطم الرقم القياسي في نسبة التواجد بالأدغال الإفريقية، وساعده على ذلك أن الجامعة إستنفرت كل القوى من أجل أن يكون الحضور بذاك العدد الذي ترتجف له الفرائص.
أما سابع المفاتيح، فهي الشحن الذاتي للاعبين الذين إلتحموا بشكل مثالي من أجل هدف واحد وغاية واحدة، صحيح أنهم مشوا في طريق الألف ميل ليحققوا شيئا يفخروا به ويتركوه إرثا للأولاد والأحفاد، إلا أنهم تحفزوا أكثر من أجل أن يسعدوا بلدهم وملكهم.
تلك كانت هي المفاتيح السبعة للنجاح وللإنجاز أو للملحمة، فلا شيء يأتي من فراغ ولا حلم يتحقق بالنوم العميق ولا تأهل للمونديال يأتي الحظ والصدفة.
كل نجاح يأتي بالعمل، ولا شيء غير العمل. 

 

مواضيع ذات صلة