اتحاد طنجة مصدر البهجة

مع ما أحاول أن أظهره من حياد إيجابي في التعاطي مع الأحداث الرياضية وبخاصة في معاملتي إعلاميا لكل النوادي المغربية بلا استثناء، إلا أنني سأتجرد بموافقتكم طبعا من هذا الحياد، لأكشف مدى سعادتي وغبطتي بتتويج اتحاد طنجة بطلا للمغرب في أعقاب منافسة هيتشكوكية مع فيلق من الأندية، استنفذت الكثير من ملح الإثارة وبهارات التشويق.
الغبطة والسعادة مصدرهما، أن تتويج اتحاد طنجة بلقب البطولة، هو تتويج لمشروع وضع مع بداية الموسم بعناية فائقة وباحترام مطلق لنظرية التطابق وبعدها لأسلوب تنزيل المشروع باعتماد قدر عال من الإحترافية، في أجواء عمل تحترم التخصصات ولا تترك شيئا للصدفة، وقد استمد هذا المشروع قوته من أن كل الفاعلين آمنوا به أولا ثم إلتزموا بموجبات نجاحه ثانيا.
مصدر السعادة أيضا أن في تتويج اتحاد طنجة إبراز لظاهرة صحية، هي أن مشهد البطولة الإحترافية لا يقوم على احتكار أندية بعينها للقب وأن مسرح التنافس يجيز للجميع الوقوف على خشبته لاستمالة الألقاب، متى تمتعت هذه الأندية بخصال تنظيمية ورياضية وفنية تؤهلها لكي تنال درع البطولة، ثم أن التنويع وتوسيع خريطة المحظوظين بالفوز بالألقاب لا يمكن إلا أن يساعد على شحذ همم كل الأندية، فتقبل بلا وجل ولا خوف على السباق نحو الألقاب، لا التسابق فقط من أجل الإفلات من النزول وتصدير صور الإهتراء.
ولا حاجة لأن أمنطق أو أشرعن أحقية اتحاد طنجة بالفوز بلقب البطولة الإحترافية، فالأرقام تتحدث عن نفسها، وإن كنت أعتبر أن أكبر وسام يوضع على صدر اتحاد طنجة، هو أنه أجاد تدبير المراحل الصعبة في سباق الموسم المحموم وعرف كيف يجسد إيمانه بقوة المجموعة في أحلك الظروف، ثم أنه برع كثيرا في تصريف الضغط النفسي وتجاوز قلة الخبرة في اللحظات الصعبة، عندما جفت منابع الإلهام.
ومع يقيني من أن اتحاد طنجة مرت به في عقود خلت، أجيال أقوى فنيا وإبداعيا من الجيل الحالي الذي تشرف بإهداء عروس البوغاز لقبها الأول، إلا أنني أؤكد على حقيقة أن اتحاد طنجة الذي كان لسنوات كثيرة منصة للإقتتال وللتصادم بإيعازات من التمذهب السياسي الذي يغرق في الشوفينية ولا يرفع أبدا مصلحة اتحاد طنجة، ما ضيع عليه مناسبات كثيرة ليبرز كقيمة كروية، وما تسبب له في هدر الكثير من الخامات الفنية الخارقة، هذا الإتحاد سيتمثل  أخيرا حقيقة تسميته، فتتوحد الجهود من أجل شيء آخر غير نشر اليأس والظلام ووأد حلم الطنجاويين في رؤية اتحادهم يكبر مع الكبار ويتوشح مع المميزين.
صحيح أننا تلمسنا ضوء الإنفراج واتحاد طنجة يحقق قبل ثلاثة مواسم عودته للبطولة الإحترافية، وشعرنا فعلا بأن الكثير من الغيوم قد انقشعت، وفارس البوغاز يحقق قبل موسمين رتبة ثالثة أهلته للعب لأول مرة في تاريخه على الواجهة الإفريقية، إلا أن ما جرى ترتيبه الصيف الماضي في السر والعلن، أنبأنا جميعا أن هناك بالفعل إرادة جماعية من أجل اختراق الضوء واللعب مع الكبار.
كان التعاقد مع الزاكي، تعبيرا فعليا على أن هناك طموحا من عينة لم يألفها اتحاد طنجة في مساراته المختلفة، ثم جاء التعاقد المعقلن مع عدد من اللاعبين ليبرز سمة التعقل في تشكيل فريق العمل الذي ستوكل له مهمة قيادة الإتحاد لمنصة التتويج، وغير هذا الذي شاهدناه بالعين المجردة، كان هناك ترتيب في الكواليس لمستلزمات موسم تاريخي يقلب خريطة الأشياء.
وإذا ما جرت العادة أن نحصي من هم ظاهرون على مسرح الأحداث، لنهنأهم على صناعة هذا الفرح التاريخي، من لاعبين ومؤطرين وجماهير وداعمين، فإن للنجاح غير المسبوق لاتحاد طنجة صناعا كثرا، فمن ينسى الدور الريادي، بل والبطولي للسيد محمد اليعقوبي والي جهة طنجة تطوان والحسيمة الذي عمد باقتدار لتنظيف بيت الإتحاد من كل ما كان يشوش على أحلامه وجند كل المنعشين الإقتصاديين لمصاحبة فارس البوغاز في سفره الجميل، من ينكر على الواثقين بقدرة اتحاد طنجة على تحقيق حلم العمر، من شركاء وداعمين، سعيهم لتعبيد الطريق وتحقيق الطرف الأقوى والمهم في معادلة النجاح، ومن يزايد في حب جماهير طنجة لفريقها، فعندما أيقنت هذه الجماهير أن هناك مشروعا طنجاويا لكتابة الفصل الأروع في التاريخ الأزرق، رفعت الحظر وأنهت العزوف وسارعت لملء المدرجات وأشعرت فرسانها بأن لهم ربا يحميهم ولهم جماهير تقيهم برد وصقيع المباريات.
كثيرة هي الأرقام الصعبة في معادلة النجاح الطنجاوي، ولكنني مصر على أن أذكر كلمة سر في موسم اتحاد طنجة البطولي، كلمة لا يذكرها الكثيرون ليس عن قصد وإنما لأنها كلمة تتخفى بكل تواضع وراء الأكمات ولا تريد أفصاح عن نفسها، تلك الكلمة هي ادريس حنيفة الذي برع في تصميم الكثير من مشاهد النصر بمنتهى الصدقية ونكران الذات.
هنيئا لطنجة بكامل أطيافها لقب البطولة الإحترافية الأول وهنيئا لكرة القدم الوطنية الإسم الجديد الذي يدخل خانة المتوجين.      

 

مواضيع ذات صلة