أريحونا من عذابها

إلى متى سنبقى في عذاب وأنين؟ إلى متى سنظل نصدق الأوهام؟ إلى متى سنواصل الإمساك بحلم يصعب جدا تحقيقه؟ إلى متى سيستمر إهدار الملايير والتلاعب بمشاعر الشعب؟ وأخيرا إلى متى سنبقى كأمة مدمنة ومهتمة بلعبة واحدة لم نربح منها غير الآلام؟
نحن كأفارقة وعرب ومغاربة لا نتعلم ولا نريد أن نتعلم، نُصرّ على تكرار الهفوات والسير في الطريق الخاطئ، رغم علمنا أنه مسدود ولن يقودنا إلى الهدف، لأنه ببساطة تغلب علينا العاطفة وننسى بسرعة، ويسهل التأثير علينا بالوعود والكلمات فقط، دون تحليل ولا واقعية ولا محاسبة للمسؤولية.
ما يجب على المغاربة فهمه والكثير منهم يعلمه ولا يريد فهمه، أن وطننا المحترم محدود و»على قدْ لْحال» في كرة القدم، وأن أسودنا الذين نعطيهم مالنا ودمنا وروحنا، ليسوا أسياد القارة ولا حتى وزرائها، فما يُقال ويُشاع ويساهم فيه بدرجة كبيرة الإعلام العاطفي شيء، وما هو مُدوّن في سجلات التاريخ شيء آخر.
بالله عليكم، هل وطنٌ يفرح ويرقص ويهلل مواطنوه لأن منتخبه الأول تأهل إلى الدور الثاني لكأس إفريقيا بلد عملاق وعتيد في كرة القدم؟ هل تصدُّر المجموعة بالدور الأول إنجاز نطبّل له، ويوهمنا بأن اللقب علينا يبحث؟ هل تعلمون يا مغاربة أننا لا نزيد شأنا إفريقياً عن إثيوبيا والكونغو برازافيل؟ وأن تاريخ السودان وزامبيا أفضل منا بالكان؟ أمعقول أن نضع أنفسنا من أقوياء القارة وأفضل 5 منتخبات، ونحن الذين لم نتجاوز الدور الأول سوى 8 مرات في 32 نسخة حضرنا نهائياتها في 17 مناسبة فقط؟ التاريخ يحتفظ بمن توجوا بالألقاب ووصلوا المباريات النهائية وصعدوا منصات التتويج، ونحن من الشعوب الفريدة في العالم التي تلازم مقولة خرجنا برأس مرفوع أو إقصاء مشرف، مع إحتفاظ في الذاكرة بلقب يتيم لم تشاهده الأغلبية الساحقة من الساكنة الحالية، والبقية طعنات ثم إنكسارات نحاول بلْسَمتها بإستحضار نجاح جيل 1986 العالمي، وبِضع مشاركات متباعدة وخجولة بالمونديال.
تاريخ وسمعة أنديتنا المحلية أفضل بكثير من منتخبنا في المسابقات القارية والدولية، وهذا تناقض عجيب وغير مفهوم، لأنه منطقيا المنتخب يستمد قوته من الفرق ويعكس هيمنتها بروحها ولاعبيها المزدادين بالوطن كما هو موجود في مصر والكونغو الديمقراطية وزامبيا ونيجيريا والكثير من الدول، لكننا كمغاربة أو مغاربيين نشكل الإستثناء، بعدما قهرنا الكسل وتلذذنا إستيراد اللاعبين الجاهزين «فابور».
كان 2019 الجاري بمصر هو حلقة فقط من حلقات كانت وستتواصل إلى الأبد، لأن لعنة ما تلازمنا حتى بتواجد أفضل مدرب إفريقي عندنا وأمهر اللاعبين المحترفين بأوروبا والخليج، وبتواجد كل هؤلاء ومعهم السيولة المالية الضخمة والنفوذ في الكاف والدعم الجماهيري المجنون، ولم نحقق اللقب بل ولم نصل حتى إلى المربع الذهبي، فمتى سنصعد مجددا إلى البوديوم ولو كصاحب المركز الثالث.
في العمود السابق «مهلا» قرأت فنجان الدورة الحالية وصدقت توقعاتي، حينما قلت أن من تأهلوا في صدارة المجموعات وبالعلامة الكاملة قد يغادروا من الدور الثاني، وأن من عبروا بصعوبة بالغة في الصفوف الخلفية ودون تحقيق ولو إنتصار، سيذهبون بعيدا وقد يخطف أحدهم اللقب، مع إنتقاذ كبير لمن تمادوا في التفاؤل وتوقعوا لنا مشوارا باهرا ينتهي باللقب، ثم التذكير بسيناريو البرتغال في أورو 2016 والتأكيد أن الأفضل والأمتع لا يفوز إلا قليلا.
صرفنا الملايير أو بخِلنا في الإنفاق لا نتيجة، وفّرنا سبل الراحة أم نهجنا سياسة التقشف لا نربح، جلبنا أكبر المدربين وأفضل اللاعبين المحترفين أم إكتفينا بالمحليين لا نجني الثمار، فالأمر متعلق بلعنة أبدية وظلم شديد، ظلمٌ أمسى كبيرا لبقية القطاعات، وتهميش مقصود لرياضات كان لنا فيها المجد الأولمبي والعالمي، فلا نحن بقينا رائدين ومفتخرين بألعاب القوى والتنس، ولا نحن منحنا الرعاية والدعم لرياضات أخرى مُقزمة، ولا نحن حصدنا الألقاب من إهتمامنا المطلق وإدماننا الأعمى بمنتخبٍ وكرة قدمٍ لم تكافئنا بغير الفشل.

 

مواضيع ذات صلة