ثورة على الشخصية الإفريقية

قطعا ، لا يمكن أن نبخس مرجعية الفريق الوطني الأخيرة بعد إقصائه الغادر أمام المنتخب المصري في دور الربع ولا عمل الناخب هيرفي رونار الذي شكل الإستثناء تدريجيا في اللقاءات الملعوبة حرصا على كاريزميته وشخصيته الرائعة في التعامل مع المباريات وقراءة الخصوم . وما راقني بالخصوص في واقع أحوال الفريق الوطني بالغابون ليس هو التشكيل أو الإختيارات حسب ما هو مقروء في مخيلة الرجل ، وإنما ذاك الشكل الإنطباعي الذي اشتغل عليه المنتخب الوطني من أن إرادة الفوز والغيرة على حمل القميص هي أقوى الأشكال المطروحة في سياق اي حدث قاري ، كما أن دور اللياقة البدنية يمكن أن تكون ذلك المحفز والمعبر الرئيسي الذي قدمه الأسود في جميع المباريات من دون عياء ولا مشاكل ربما أعطت أكلها لمن تحسس مسؤولية قلة التنافسية مع الأندية الأوروبية ، وظهر ذلك مليا من خلال استراتيجية اللعب القائمة على الخناق والإنسياب والضغط على حاملي الكرات وربح المساحات بالتقارب بين اللاعبين ، وهي نقطة كبيرة تحسب لرونار ولطاقمه التقني في شقه البدني ونحن نعلم جيدا أن القدرة على اكتناز المخزون البدني والإقتصاد في ذلك اشتغل عليه الفريق الوطني تدريجيا من التربص الخاص بالإمارات مرورا بمباريات الكان . 
قطعا لا يمكن إلا أن نفتخر بالجهد التقني الذي قدمه رونار مع الفريق الوطني الذي دخل أكثرية لاعبيه دورة إفريقية لأول مرة في تاريخهم وبوجوه صغيرة السن يفترض أن تكون لقادم السنين ربحا كبيرا للمنتخب الوطني ، وما قدمه رونار يمكن أن يكون نتاجا عاما لرؤية الرجل لهيكل التشكيل وما رافقه من معاناة الإصابات وغياب الأعيرة التي يرى فيها الروح المكملة للنتائج الإيجابية ، صحيح أن الرجل باختياراته التي لم تقنع الرأي العام على مستوى الضوابط المعمولة في سياق الإختيار النهائي للائحة المريحة ، آمن بقدراته لأنه كان الأعرف بمحددات كل لاعب على حدة ونواقص البعض في أشكال التعامل مع الأدوار أو مع الفرص الضائعة مثلما جاز ذلك مع النصيري ومنديل في مناسبات صعبة يحسن فيها التعامل بذكاء لا بالتسرع مع الكرات القاتلة ، لكن في كل الأحوال هذه هي النتيجة الفعلية لمعالجة مثل هذه الأخطاء الصغيرة والتي تفرض نضجا وممارسة وذكاء في اللحظة الحاسمة . وفي كل الأحوال نجح الفريق الوطني في امتلاك العودة التاريخية للكان وإن كان مصيرها توقف عند حد الربع بسوء الحظ والسقوط في التفاصيل الصغيرة .
وعندما يتحدث عن الشخصية الإفريقية  لدى المنتخب المغربي بالغابون ، يتحدث عن استثمار حقيقي لهذه النزعة التي غابت لما يقارب 13 سنة  في معناها القتالي والبدني ومنحاها على مستوى الوصول إلى النتيجة ، أي الوصول التدريجي إلى النهاية أو اللقب مثلما جاز ذلك مع منتخب مصر الذي عاد للواجهة القارية بعد غياب دام سبع سنوات رغم أنه لم يقتع كثيرا ولكنه تمتع بالحظ مثلما جاز ذلك مع المغرب بعد أن قطع شريط العقدة التاريخية ، وأقواها كان بالحظ أمام بوركينافاسو عندما كان قريبا من الإقصاء في الضربات الترجيحية وكان بوسع حارس بوركينافاسو أن يقتل أحلام الفراعنة في ثواني مركزة قبل أن يضيع ويعيد التكافؤ للفراعنة وبعدها خذل خيول بوركينافاسو نفسهم للوصول إلى النهاية ، ولذلك يمكن القول أن أسود الأطلس بوصولهم إلى دور الربع بفريق أكثره يدخل النهائيات لأول مرة شكلوا الإستثناء على مستوى قاعدة العودة المفترض أن تكون لاحقا مطروحة للتعامل مع الكؤوس الإريقية بالشخصية التي تأسست كما قلنا بالتغلغل مع الأجواء واحترام النهج والشعور الكبير بمقومات اللياقة البدنية وقراءة الخصوم وكيفية التعامل معهم قياسا مع أن أغلب المنتخبات الإفريقية تلعب بالمحترفين بأوروبا ومع اندية متباينة وذات فوارق شاسعة في الهوية والألقاب ، ومع ذلك أظهرت الكثير من المنتخبات شراسة لنيل المباريات كان أقواها هي بوركينافاسو والكامرونن برغم خروج السنيغال كطرف ثالث . ولذلك يمكن أن نقول أن الشخصية الإفريقية تبنى على هذه المحددات البدنية والإصرار على الفوز والدفاع عن القميص الوطني وقراءة ماذا يفعله الخصوم بالضبط . واعتقد أن كل لاعب مغربي اليوم في حلقات الكان خرج مقتنعا بالدور الذي يأتي به جميع المنتخبات ، وتأكد من أن اللعب بالفرق الأوروبية يختلف قلبا وقالبا عن الكرة الإفريقية القائمة على الطراوة البدنية وحماس الفوز والرغبة في الوصول إلى أبعد الأدوار . 
ويؤسفني جدا أن يسقط بعض رواة النقد والإجهاز على المنتخب المغربي في تقزيم دوره وحده الأقصى على مستوى الوصول إلى الربع دونما ترسيخ ثقافة اللقب في الذهن ، إذ يقرأ البعض أن الفريق الوطني سيظل دائما يتغنى بإنجازاته المتوقفة عند حدها المتعارف عليها من دون الإستناد على اقوى النتائج والوصول إلى البوديوم كما هو الحال الذي يتطبع به المنتخب المصري ، مع أن الفريق الوطني الحالي ليس هو منتخب 2004 ولا 1976 في رسم ثقافة اللقب القاري لتواجد الفوارق الهيكلية للوجوه الحاضرة اليوم ، ما يعني أن هذه الثقافة يمكن أن تتأسس مع رونار وسيطالب بها حال الإبقاء عليه لكأس إفريقيا 2019 بالكامرون ، ما يعني أن التفكير في الكؤوس الإفريقية يمكن أن يبنى من هذه الزاوية وليس الحلم باللعب في المونديال ولو أن الفارق يبدو بعيدا بين شيء اسمه الحدث القاري والحدث العالمي ، ولذلك من الواجب أن نؤسس من اليوم شخصيتنا الإفريقية على أنها قوة لازمة لنيل الحدث موازاة مع نفس المقاربة العالمية التي يحظى بها مثلا منتخب غانا . ولذلك أرى شخصيا أن اشتغالنا كإعلاميين أن يكون في هذه الزاوية وبخاصة مع رونار لأنه حتى وإن اجتاز دور الربع سيكون في الكأس القادمة قد استنتج الدرس وسيحرص على أن يكون بطلا إن هو بقي على رأس الفريق الوطني . وهذا ما نتمناه ...

 

مواضيع ذات صلة