أطفئوا الغضب

أفلح المشوشون في زرع بذور الشرارة بين لاعبي الفريق الوطني، ونجحوا في هدفهم القائم على خلق التفرقة وشحن الأجواء بالغضب والإستياء، وتوفقوا في إخراج الهادئين من سكونهم والإصطدام بالمتشنجين والمندفعين.
إستفزني كباقي اللاعبين وفئة من الجمهور أن يأتي بعض الأفراد من هولندا وينضم إليهم أشخاص من المغرب، ويجتمعوا في مدرج بملعب أكادير في ودية الأسود ضد الطواحين الأخيرة، لينهالوا بالسب والشتم على الفريق الوطني بكل مكوناته، ويشوشوا على اللاعبين لسبب وحيد أن زياش غير متواجد.
أتفهم هؤلاء حول رغبتهم في رؤية حكيم بالعرين وتعاطفهم معه في خلافه العميق مع الناخب الوطني هيرفي رونار، لكن ليس بتلك الطريقة وذلك الإحتجاج والتقليل من إحترام اللاعبين الموجودين حاليا والذين لا يقل بعضهم مهارة وقيمة عن عبقري أجاكس.
سئمنا من هذا المسلسل الذي يريدون نهايته عاجلة، ويفضلون سيناريو رجوع زياش ورحيل رونار، ومللنا من الإتهامات وتبادل التصريحات والإستفسار في كل مرة عن هذه القضية، والتي صارت مثيرة للقرف والإشمئزاز، وتشغلنا عن الأهم وهو الفريق الوطني حاضره ومستقبله.
كان من الأجدر أن يحترم العاقلون الذين يختلفون مع رونار اللاعبين على الأقل، وأن يقاطعوا مباراة هولندا لا أن يأتوا للصراخ والنداء بإسم زياش، فما ذنب الآخرين الذين فضلوا الإستجابة لدعوة الوطن عوض الذهاب في عطلة، ولم يختلقوا الإصابة كما فعل حكيمهم سابقا ليرفض القدوم إلى مراكش. فالخاسر الأول والأخير هو الفريق الوطني التي يتزعزع من الداخل، في خضم إستعادة البريق والتوهج، وفي عز التحضير للإستحقاقات القريبة والبارزة، سواء المتعلقة بتصفيات كأس أمم إفريقيا أو كأس العالم.
أصبحنا نتحدث عن زياش أكثر مما نتكلم عن واقع الفريق الوطني، وها نحن نُستدرج للكتابة عن هذه الفتنة التي أشعلوها بين الجمهور وأوصلوها إلى غرف اللاعبين، عوض أن نحلل ونناقش مردود الأسود وما أحسنوا فعله وما فشلوا في تقديمه خلال ودية الطواحين، التي كانت بحق حبلى بالدروس المستخلصة والصفعات اليانعة.
هل قيمة زياش بالعرين هي نفس قيمة بنزيمة مثلا مع فرنسا؟ أو هي بنفس الحجم الذي يشكله دييغو كوسطا مع المنتخب الإسباني أو ماريو بالوتيلي داخل البيت الإيطالي؟ وجميعهم غاب أو لا يزال يغيب بسبب مشاكل غير رياضية وحسابات شخصية وجماعية، ورغم الفراغ الذي تركه هؤلاء مع منتخبات بلدانهم إلا أن الضجة لم تكن بنفس الرجة التي تحدُث عندنا، أو على الأقل لم تستغرق الزوبعة شهورا من النقاشات ولم تشغل الرأي العام عن النقذ البناء وتحليل الأمور الرئيسية قبل الثانوية.
للأسف تعشق بعض الأفواه الإحتجاج لأنها لا تعرف غير ذلك، وتتلذذ بعض الأقلام خلق الفتنة لتغوص مدادها حتى يجف في كل ما هو ضرر وسيؤثر على فريقنا الوطني، ولو كانت تحب مصلحة البلد والأسود لما تركت إنتقاذ الجوانب التكتيكية والتقنية لتتفرغ لفتح الرشاش في وجه أجير إسمه رونار. 
نحن نتوهم أننا سننصف زياش وسنربح القضية إن أسقطنا رأس المدرب الفرنسي، لكننا لا ندرك العواقب الوخيمة، فرونار سيرحل آجلا أم عاجلا ليشرف على منتخب أو فريق آخر كون سيرته غنية وتوقيعه مطلوب بقوة في كل أرجاء العالم، ونحن ماذا سنجد؟ سنبحث عن مدرب جديد بعقلية أخرى ولاعبين جدد، وسنعود إلى نقطة الصفر وسنبكي على اللبن الذي سكبناه، لنواصل إدمان التغيير ومعه الفشل.
ثوابت الأسود كبوصوفة والأحمدي ودرار خرجوا قبل أيام ليقولوا كفى من التشويش وقلة الإحترام، كفى من المطالبة بلاعب صاعد الطريق طويل أمامه للرجوع إلى العرين، كفى من التفرقة بين اللاعبين ونسف ثقتهم التي عادت بعد كأس أمم إفريقيا الأخيرة بالغابون.
الفتنة يجب أن تنتهي، والوطن لا يقبل بالمزايدات، وهدم سنة ونصف من الإشتغال والتحسن الملحوظ مع رونار من أجل لاعبٍ، جنون أكثر منه ظلم، فالعاقل هو من يختار المصلحة العامة مع تأجيل الحساب، والوضع الآني يفرض إطفاء الغضب وتهدئة العاصفة، فنحن ننفخ في الرماد الذي سيعمينا أيها الغاضبون.

 

مواضيع ذات صلة