باماكو معبر كرملين

صار وقت طويل لم أر فيه مركب الأمير مولاي عبد الله بالرباط مملوءا عن آخره، ومكتظا بالجماهير التي جلس ثلثاها على الكراسي المرقمة فيما بقي الثلث الآخر واقفا بعدما تعذر عليه إيجاد مكان شاغر.
أجواء حماسية وإحتفالات دينية ورياضية إستثنائية، وتشجيع رهيب أضفى على العيد طابعا كرويا فريدا، وجعل من مباراة الفريق الوطني ضد نسور مالي فصلا لصلة الأسود لرحمهم مع عرينهم الأصلي بالعاصمة، ثم ملحمة تاريخية ستظل عالقة في كتب التاريخ الوطني للأبد.
جمهور متعطش، منتخب متحمس، أداء راقٍ، خصم مرتبك، إجتمعوا طيلة 90 دقيقة ليخرجوا فيلم رعب حقيقي، بطله زياش والرفاق وضحيته ألان جيريس وفيلقه الذين عانوا من الإختناق، فكان الإستسلام الحر والإنتحار بست طلقات قاتلة مع الرأفة والتودد.
إنتصار كاسح وتهليل واسع بالنتيجة المسجلة المفاجئة، وإستعراض العضلات من قبل الأسود الذين أطل صغيرهم كما كبيرهم بأجمل ثياب العيد، وأبهى الحلل، ليقدموا أغلى الهدايا وهي خطف أول ثلاث نقاط في مشوار تصفيات كأس العالم المزمع إقامته بعد 9 أشهر من الآن بروسيا العظيمة.
أفضل السيناريوهات تحقق، وأجمل الفصول التقنية حضرت، وأمتع الأهداف سُجلت، في أمسية صدحت فيها الحناجر «هيا يا أسود نحو المونديال.»
الآن والفريق الوطني يمسك بالمقود ومصيره بين يديه، بات مطالبا بالضغط على زناد السرعة النهائية في الجولات الثلاث المتبقية، والإنطلاق بقوة ورفع الإيقاع عن باقي المنافسين دون النظر إلى الوراء أو التراخي في آخر الأمتار.
الحلم يدنو خطوة بخطوة والآمال تكبر بإقتراب شهر نونبر المقبل، والأسابيع أمست معدودة لإطلاق صافرة النهاية معلنة عن المصالحة التاريخية للأسود مع الحلبة العالمية، ليفتح أبرز حدث كوني بابه الكبير للفرسان المغاربة بعد خصام شديد ومحبط دام 20 سنة كاملة.
إنتهت ملحمة الرباط آمنة مطمئنة، وأسدل الستار على نصر مجنون في يوم مقدس مشحون، واتجهت الأنظار بلا إنتظار إلى موقعة هذا الثلاثاء بالعاصمة المالية باماكو، حيث سيتجدد العهد مع نفس الخصم وذات الوجوه، وهي المرة في لقاء أصعب بشعار الثأر ضد نسور مجروحة مُست في كبريائها وقُصت أجنحتها بذل وإهانة.
المطلب الفوز ولا شيء غيره للمنتخبين، وزملاء بنعطية في غاية الخطر بقلعة مجهولة ومحفوفة بالألغام، النجاة منها يعني مواصلة الأحلام، والوقوف فيها يعيد العقارب إلى الوراء ليجر الخيبات والويلات.
لا نريد إعادة سيناريو الرباط ولا نريد تلذذ إسقاط النسور بعد تعذيبهم أشد العذاب، وكل ما نرغب فيه فوز صغير ولو من رحم المعاناة، والرجوع من باماكو سالمين غانمين ومتصدرين للمجموعة بثمان نقاط، تؤهلنا لمناقشة نهائيي الغابون وبعدها الكوت ديفوار بأريحية وأفضلية تقنية وذهنية وتنقيطية.
أكاد أجزم أن بطاقة التأهل لمونديال روسيا ستُلعب الثلاثاء بباماكو رغم أنه سيتبقى بعدها ست نقاط كاملة لتحقيق المبتغى الحلم، لإيماني أن الأسود لن يخيبوا الرجاء ولن يتركوا الفرصة تضيع لو عادوا بالإنتصار من مالي، فلا هذا الجيل الموهوب ولا هذه الجامعة ولا المدرب الفاقد لطعم العالمية يرغبون في تفويت الرحلة إلى بلاد الدببة.
طائرة موسكو تحلق فوق أرض الوطن وتستعد لتحط بمطار محمد الخامس في أي وقت لتأخذنا جميعا نحو ساحة كرملين، لكن موعد الهبوط لن يكون قبل تجاوز مطب باماكو الأول، وبعده عاصفتي الدار البيضاء وأبيدجان.

 

مواضيع ذات صلة